تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
العاقلة تلك القوة إلا بالفهم ، فلا يحركه إلا الفهم ، والحركة انتقال من حال إلى حال ، أي من حال يكون عليه السامع ، إلى حال يعطيه سماعه عند كلام المتكلم ، وهو فيه بحسب فهمه ، فهو مجبور على الحركة ، ولهذا لا تسلّم الصوفية حركة الوجد الذي يبقى معه الإحساس بمن في المجلس ، حتى تسلم له حركته باللّه ، فمهما أحس تعين عليه أن يحكي ، إلا أن يعرّف الحاضرين بأنه متواجد لا صاحب وجد ، فيسلم له ذلك ، ولكن لا تحمد هذه الحالة عندهم على كل حال ، لأنهم يكرهون الحركة في الأصل بنفس المتحرك ، ويحمدونها بالمحرّك . فإذا كان الرجل ممن يجد قلبه في النغمات ، وأعني بذلك وجود النغمة في الشعر وغيره ، حتى في القرآن ، إذا وجد قلبه فيه لحسن صوت القارئ ، ولا يجد قلبه فيه عندما يسمعه من قارىء غير طيب الصوت ، فلا يعول على ذلك الوجد ، ولا على ما يجد فيه من الرقة في الجناب الإلهي ، فإنه معلول وتلك رقة الطبيعة ، إلا إذا كان عارفا بالتفصيل ، ويفرق بين سماعه الإلهي والروحاني والطبيعي « 1 » ، ما يلتبس عليه ولا يخلط ، ولا يقول في سماع الطبيعة إنه سماعه باللّه ، فمثل هذا لا يحجر عليه ، ولا سيما إن كان ممن يقتدى به من المشايخ ، فيستتر به المدعي الكاذب أو الجاهل بحاله وإن لم يقصد الكذب ، فإن تحرك المدعي ، وأخذه الحال ، ودار أو قفز إلى جهة فوق من غير دور ، وقد غاب عن إحساسه بنفسه وبالمجلس الذي هو فيه ، فإذا فرغ من حاله ورجع إلى إحساسه ، فاسأله ما الذي حركه ؟ فيقول : - إن القوال قال كذا وكذا ، ففهمت منه معنى كذا وكذا ، فذلك المعنى حرّكني ، فقل له : - ما حركك سوى حسن النغمة ، والفهم إنما وقع لك في حكم التبعية ، فالطبع حكم على حيوانيتك ، فلا فرق بينك وبين الجمل في تأثير النغمة فيك ، فيعز عليه مثل هذا الكلام ويثقل ويقول لك : ما عرفتني وما عرفت ما حركني ، فاسكت عنه ساعة ، فإن صاحب هذه الدعوى تكون الغفلة مستولية عليه ، ثم خذ معه في الكلام الذي يعطي ذلك المعنى ، فقل له : ما أحسن قول اللّه تعالى حيث يقول : وأتل عليه آية من كتاب اللّه تتضمن ذلك المعنى ، الذي كان حركه من صوت المغني ، وحققه عنده حتى يتحققه ، فيأخذ معك فيه ويتكلم ، ولا يأخذه لذلك حال ولا حركة ولا فناء ، ولكن
هامش
( 1 ) راجع كتابنا الحب والمحبة الإلهية .