المعروفة ، ويعلم من هذا أنه قد نزل من المقام إلى ما هو أسفل منه وأدنى لحظ نفسي ، واللّه يلبسنا وإياكم رداء العافية ، ويحلنا وإياكم المراتب السامية العالية ، ولا يجعلنا وإياكم ممن له إلى سماع الغناء أذن واعية ، فيكون من أهل القلوب اللاهية .
وكل حال ينبعث عن القرآن فلا بد أن يعلو بصاحبه إلى أحد المنازل على قدر السماع ، ومعنى ينبعث عن القرآن ، لا يزول سامعه عن المعنى الذي نزل له القرآن ، لا لخيال قام به عند تلاوة القرآن ، في معشوقة أو امرأة ، وكل حال ينبعث عن الشعر والسماع فلا بد أن ينزل بصاحبه إلى أحد الدركات ، وسر ذلك أن انبعاث القرآن كلام اللّه المقدس الذي ما اعتراه قط نقص ولا تدنيس ، ولا جاز عليه ذلك ، فمن المحال أن يعطي إلا بحسب طهارته ، وأصل انبعاث الشعر كلام المخلوق الناقص الدنس ، الذي ما صح له كمال طهارة لا متزاجه ، فالغاية في الشعر أن يكون ممتزجا لا تكمل طهارته أبدا ، فمن ثمّ إلى الآن لم يزل في النقص والتدنيس ، فمن المحال أن يعطي أبدا إلا حالا ناقصا دنسا ، هذه حالة العارفين المكملين فيه ، ومعهم أتكلم ، وكثير من السادة الكبار يعرفون هذا من نفوسهم ، وأما من نزل عنهم من المدعين والمريدين فلا كلام لنا معهم .
وتحصيل ما أوردناه في السماع أنّا لم نحرمه ، بل أبحنا الشعر والغناء ، على القدر الذي جاءت به الشريعة ، ثم تكلمنا في نقصه من المقامات ، جاءت امرأة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت : « يا رسول اللّه إني نذرت أن أضرب بين يديك بالدف » فقال لها : « إن كنت نذرت وإلا فلا » هذا الحديث يدل على أن السماع وإن كان مباحا فالتنزيه عنه عند الأكابر أولى .
( ف ح 2 / 542 - ح 3 / 562 - ح 4 / 270 - ح 2 / 735 ، 368 ، 369 - روح القدس في محاسبة النفس - ف ح 2 / 368 )
الوجد والتواجد
أصل السماع الذي يقول به أهل الطريق شريف ، وهو يسري في كل شيء ، فلا يختص به حال إيقاع وغناء على طريق خاص طبيعي ، فإن الوزن الطبيعي إنما يؤثر فيما تركب من الطبيعة على مزاج خاص ، لا يشترط في حركة الطبع الفهم ، بخلاف حركة النفوس العقلية ، وإن كان للطبيعة فيها أثر في أصل وجودها ، ولكن ليست لها في النفوس