ثم إن اللّه تعالى يعرض عليك مراتب المملكة ابتلاء ، فإن رتب لك العرض ، فإنك ستكشف أولا على أسرار الأحجار المعدنية وغيرها ، وتعرف سر كل حجر وخاصيته في المضار والمنافع ، فإن تعشقت به أبقيت معه وطردت ، ثم سلب عنك حفظه فخسرت ، وإن استغنيت عنه ، واشتغلت بالذكر ، ولجأت إلى جانب المذكور ، رفع عنك ذلك النمط ، وكشف لك عن النباتات ، ونادتك كل عشبة بما تحمله من خواص المضار والمنافع ، فليكن حكمك عليها كحكمك أولا ، وليكن غذاؤك في الكشف الأول ( الأحجار ) ما كثرت حرارته ورطوبته ، وفي هذا الكشف الآخر النباتي ، ما اعتدلت حرارته ورطوبته ، فإذا لم تقف معه رفع لك عن الحيوانات ، فسلمت عليك وعرفتك بما تحمله من خواص المضار والمنافع ، وكل عالم يعرفك بتسبيحه وتحميده .
وهنا نكتة عجيبة ، وذلك أن تنظر ما أنت مشتغل به من الأذكار ، فإذا رأيت هؤلاء العوالم مشتغلين بذلك الذكر الذي أنت عليه ، فكشفك خيالي لا حقيقي ، وإنما ذلك حالك أقيم لك في الموجودات ، وإذا شهدت في هؤلاء تنوعات أذكارهم فهو الكشف الصحيح « 1 » .
الاشتغال بالذكر - المشاهدة والنومة
اشتغل في خلوتك بذكر اللّه ، بأي نوع شئته من الأذكار ، وأعلاها الاسم الأعظم « 2 » ، وهو قولك اللّه اللّه اللّه ، لا تزد عليه شيئا ، واله عن كل ما يتجلى لك من الصور في خلوتك ، واشتغل بالذكر حتى يتجلى لك مذكورك ، فإذا أفناك عن الذكر به فتلك عين المشاهدة أو النومة ، وسبيل التفرقة بينهما ، أن المشاهدة تترك في المحل شاهدها ، فتقع اللذة عقيبها ، والنومة لا تترك شيئا ، فيقع التيقظ عقيبها والاستغفار والندم . ( رسالة الأنوار )
هامش
( 1 ) للزيادة راجع رسالة الأنوار - وهي مطبوعة في مجموعة رسائل ابن عربي في حيدر آباد عام 1948 ، وأقدم نسخة تحمل تاريخ 720 ه كما أن نسخة مكتبة ولي الدين بتركيا رقم 1826 / 11 ب عليها سماع للشيخ بتاريخ 621 ه ، وقد ورد اسم هذا الكتاب في إجازة الشيخ إلى الملك المظفر .
( 2 ) المقصود بالأعظم هنا ، هو أعظم الأسماء تأثيرا في الذكر ، لا الاسم الأعظم المكمل للمائة .