تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
خلقه ، فهذه هي الحقيقة التي يستند إليها أهل اللّه في اتخاذ الخلوة ، فلا بد لكل طالب ربه أن يخلو بنفسه مع ربه في سره ، لأن اللّه ما جعل للإنسان ظاهرا وباطنا إلا ليخلو مع اللّه في باطنه ، ويشاهده في ظاهره في أسبابه ، بعد أن ينظر إليه في باطنه ، حتى يميزه في عين الأسباب ، وإلا فلا يعرفه أبدا ، فما يرجع من يرجع إلى الخلوة مع اللّه ، في باطنه إلا لأجل هذا ، فباطن الإنسان بيت خلوته لو عقل عن اللّه . ولا بد من طلب إمام ( أعني الشيخ ) فإن لم تجد فأخل بيتا من جميع الأشياء ، واتخذه خلوة ، وليكن ذكرك « اللّه اللّه » لا غير ، ولتتفرغ من همّ المطعم والمشرب باستعدادك قبل ذلك ، واجعل مستندك هذه الآية « ليس كمثله شيء » فلا بد من زوال التدليس في الأمر ، أقربه في سبعة أيام وأبعده في أربعين يوما ، ويحتج أهل اللّه على خلوات الفتح عندهم بالخبر المروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « من أخلص للّه أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » وكانت في حق موسى عليه السلام قوله تعالى :
فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً
فكانت المكالمة في التجلي عن مقدمة الميقات الأربعيني الرباني . فمن أراد معرفة الحقائق ، فليسلك طريق الرجال ، وليلزم الخلوة والذكر ، فإن اللّه سيطلعه على الحقائق عينا ، فيعلم أن الناس في عماية عن إدراكها ، فإن الحقائق لا تدرك بدقيق فكر ولا نظر ، بل بعلم موهوب ، من علوم الكشف ونتائج المجاهدات المصاحبة اللهم ، فإن مجاهدة بغير همة غير منتجة شيئا ، ولا مؤثرة في العلم ، لكن تؤثر في الحال من رقة وصفاء يجده صاحب المجاهدة . اللّه اللّه ، لا تدخل خلوتك حتى تعرف أين مقامك وقوّتك من سلطان الوهم ، فإن كان وهمك حاكما عليك ، فلا سبيل إلى الخلوة إلا على يد شيخ مميز عارف ، وإن كان وهمك تحت سلطانك فخذ الخلوة ولا تبالي ، وعليك بالرياضة قبل الخلوة ، والرياضة عبارة عن تهذيب الأخلاق ، وترك الرعونة ، وتحمل الأذى ، وتحفظ في غذائك ، واجتهد أن يكون دسما ، ولكن من غير حيوان فإنه أحسن . وليكن عقدك عند دخولك إلى خلوتك أن اللّه ليس كمثله شيء ، فكل ما يتجلى لك من الصور في خلوتك ويقول لك « أنا اللّه » فقل « سبحان اللّه آمنت باللّه » واحفظ صورة ما رأيت واله عنها ، واشتغل بالذكر دائما ، ومتى رأيت شيئا يقول لك « أنا الحق » فقل له
الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 82 | ابن عربي / محمود محمود الغراب