الغطاء ما ازددت يقينا » مع أن المتيقن ما حصل في الوجود العيني ، فقال اللّه لنبيه ولكل عبد يكون بمثابته : « اعبد ربك حتى يأتيك اليقين » .
وبالجملة اليقين عزيز الوجود في الأمور الطبيعية المعتادة ، فإن العادة تسرق الطبع ، ولا سيما في الأمور التي بها قوام البدن الطبيعي ، فإذا فقد ما به يصل إلى ما به قوامه فإنه يتألم ، والألم لا يقدح في اليقين ، فإنه ما يضاده ، ولكن قلّ أن يتألم ذو ألم إلا ولا بد أن يضطرب ويتحرك في نفسه ، ولا سيما ألم الجوع والعطش والبرد والحر ، والاضطراب يضاد اليقين ، فإن اليقين سكون النفس إلى من بيده هذه الأمور المزيلة لهذه الآلام ، فيريد من قامت به الآلام سرعة زوالها طبعا ، وإذا كان هذا ، فنسلك في اليقين طريقة غير ما يتخيلها أهل الطريق ، وهو أن الاضطراب لا يقدح في اليقين ، إذا كان هبوب اليقين في إزالة تلك الآلام إلى جناب الحق ، لا إلى الأسباب المزيلة في العادة ، فإن شاء الحق أزالها بتلك الأسباب أزالها بأن يوجد عنده تلك الأسباب ، وإن شاء أزالها بغير ذلك ، فصار متعلق اليقين الجناب الإلهي لا غير .
واعلم أن اليقين أضيف إليه العلم والعين والحق ، وكان مدارها عليه ، فمن ثبت له القرار عند اللّه في اللّه باللّه مع اللّه ، فلا بد له من علامة على ذلك تضاف إلى اليقين لأنها مخصوصة به ، ولا تكون علامة إلا عليه ، فذلك هو علم اليقين ، ولا بد من شهود تلك العلامة وتعلقها باليقين واختصاصها به فذلك هو عين اليقين ، ولا بد من وجوب حكمة في هذه العين ، وفي هذا العلم ، فلا يتصرف العلم إلا فيما يجب له التصرف فيه ، ولا تنظر العين إلا فيما يجب لها النظر إليه وفيه ، فذلك هو حق اليقين الذي أوجبه على العلم والعين ، فما كل حق له قرار ، ولا كل علم ، ولا كل عين ، فلو كان علم اليقين وعينه وحقه نفس اليقين ما صحت الإضافة ، لأن الشيء الواحد لا يضاف إلى نفسه ، ولأن الإضافة لا تكون إلا بين مضاف ومضاف إليه ، فتطلب الكثرة حتى يصح وجودها ، وأما اليقين فهو كل ما ثبت واستقر ولم يتزلزل ، من أي نوع كان ، من حق وخلق ، فله علم وعين وحق ، أي وجوب حكمه ، فلا يضاف إلى اليقين إلا ما يقبله ، فإن كان مما تدل عليه علامة أضيف إليه العلم ، وإن لم يكن فلا يضاف إليه ، وإن كان مما يشهد أضيفت إليه العين ، وإن لم يكن فلا تضاف إليه ، وإن كان ممن له في نفس الأمر حكم واجب على
الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 80
مساهمون: ابن عربي
ص٨٠