فقال : -
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا
نبّه بهذا الأمر أنه لا ينبغي الوكالة إلا لمن هو إله ، لأنه عالم بالمصالح إذ هو خالقها ، كما قال : -
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
فاتخذه المؤمن العالم وكيلا ، وسلم إليه أموره ، وجعل زمامها بيده ، كما هو في نفس الأمر ، فما زاد شيئا مما هو الأمر عليه في الوجود ، ومدحه اللّه بذلك ، وما أثر في الملك شيئا ، وهذا غاية الكرم ، الثناء بالأثر على غير المؤثر ، بل الكل منه وإليه ، فهذا حظ الناظر الأول ، والناظر الثاني هو أن يقول : ما خلق اللّه الأشياء من أجل الأشياء ، وإنما خلقها ليسبحه كل جنس من الممكنات وأنواعها وأشخاصها ، فقال : -
كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
وقال : -
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
فالكل له تعالى ملك ، وإذا كان الأمر على هذا ، ولم يخلق على الصورة الإلهية سوانا ، ووصف نفسه بالغيب عن الأشياء ، وأسدل الحجب بينها وبين أن تدركه ، فهو يدركها ولا تدركه ، لأنها لا تعرفه ، فأقام الإنسان خليفة وهو الوكيل ، فقال : -
وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ
فحدّ لنا في الوكالة أمورا لا نتعداها ، فما هي وكالة مطلقة ، مثل ما وكلناه نحن ، فحد حدودا لنا ، إن تعديناها تعدينا حدود اللّه
وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ
وعلى النظر الأول جاء القرآن كله ، فإنه ما قال : إلا توكلوا ، وقال المتوكلون ، فرجح النظر الأول وهو أن نتخذ وكيلا في المصلحة لنا لا في الأشياء ، فيجمع بين النظرين ، وهي حالة ثالثة شهدناها ، وما رأيناها لأحد من طريقتنا ، فقلنا : - إنه خلق الأشياء له لا لنا ، وأعطى كل شيء خلقه ، ومن خلقنا افتقارنا إلى ما يكون به صلاحنا ، حيث كنا دنيا وآخرة ، ولا نعلم طريقنا إلى المصلحة لأنه ما خلق الأشياء من أجلنا ، فوكلناه ليسخر لنا من هذه الأشياء ما يرى فيه المصلحة لنا ، امتنانا منه ، وامتثالا لأمره ، فنكون في توكلنا عليه عبيدا مأمورين ممتثلين أمره ، نرج بذلك خيره ، فوقع التوكل في المصالح لا في عين الأشياء ، وهذا برزخ دقيق لا يشعر به كل أحد للطافته ، وهو جمع بين الاثنين وتثبيت للحكمين .
وفي حال من أحوال التوكل يحصل لك أربع كرامات : وهي علامات وأدلة على حصولك في أول درجة التوكل ، وهي طي الأرض ، والمشي على الماء ، واختراق الهواء ، والأكل من الكون ، وهو الحقيقة في هذا الباب ، ثم بعد ذلك تتوالى عليك المقامات والأحوال والكرامات والتنزلات إلى الموت . ( ف ح 2 / 199 - رسالة الأنوار )