الصبر
اعلم وفقك اللّه أن اللّه تعالى يقول
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
فأخبر أنه يؤذى ، فتسمى سبحانه بالصبور على أذى خلقه ، وكما سأل عباده رفع الأذى مع استحقاقه اسم الصبور ، كذلك لا يرفع اسم الصبر عن العبد إذا حل به بلاء فسأل اللّه تعالى في رفع ذلك البلاء ، كما فعل أيوب عليه السلام فقال : رب
أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
وأثنى اللّه عليه فقال مع هذا السؤال :
إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً
فليس الصبر حبس النفس عن الشكوى إلى اللّه في رفع البلاء أو دفعه ، وإنما الصبر : حبس النفس عن الشكوى إلى غير اللّه ، والركون إلى ذلك الغير ، واعلم - علّمك اللّه - أن في الصبر المعروف عند العامة مقاومة القهر الإلهي وسوء أدب مع اللّه ، وما ابتلى اللّه عباده إلا ليتضر عوا إليه ، ويسألوه في رفع ما ابتلاهم به من البلاء عنهم ، لأنه دواء لما تعطيهم في نفوسهم من المرض الصورة التي خلقوا عليها ، فيدّعيها من لم تكمل فيه الصورة ، قال بعضهم وقد بكى حين أخذه الجوع : « إنما جوعني لأبكي » فهو يبكي له وعليه ، فإن أكابر الرجال لا يحبسون نفوسهم عن الشكوى إلى اللّه ، فإذا مدح اللّه الصابرين ، فهم الذين حبسوا نفوسهم عن الشكوى لغير اللّه ، وهذا مذهب الأكابر ، ألا ترى سمنون لما أساء الأدب مع اللّه ، وأراد أن يقاوم القدرة الإلهية لما وجد في نفسه من حكم الرضى والصبر قال :
وليس لي في سواك حظ * فكيف ما شئت فاختبرني
فابتلاه اللّه بعسر البول ، والنفس مجبولة على طلب حظها من العافية ، ولما سأل هذا كان في حكم العافية ، فلما سلبها بهذا البلاء ، طلبتها النفس بما جبلت عليه ، ألا ترى إلى عالم العلماء ، وحاكم الحكماء ، كيف كان سؤاله العافية ، وأمر بها فقال : - « إذا سألتم اللّه فأسألوه العافية » فإن كنتم أهل بلاء فقد سألتم العافية ، وإن كنتم أهل عافية فقد سألتم دوامها ، فالعافية ذهاب أثر البلاء ممن قام به ، فمن الأدب مع اللّه وقوف العبد مع عجزه وفقره وفاقته ، فإن الغنى باللّه لا يصح عن اللّه ، ولا عن المخلوقين من حيث العموم ، لكنه يصح من حيث تعيين مخلوق ما يمكن أن يستغنى عنه بغيره ، فإن اللّه ما وضع الأسباب سدى ، فمنها أسباب ذاتية لا يمكن رفعها هنا ، ومنها أسباب عرضية يمكن رفعها ، فمن المحال رفع التأليف والتركيب عن الجسم مع بقاء حكم الجسمية فيه ،