تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
شخصا قط في عالم الحس ، فقال لها : تقصدين الطريق ؟ قالت : فقلت له إي واللّه أقصد الطريق ، ولكن لا أدري بماذا ؟ قالت : فقال لي بخمسة وهي : - التوكل واليقين والصبر والعزيمة والصدق ، فعرضت رؤياها عليّ فقلت لها : هذا مذهب القوم . ( ف ح 1 / 277 )

التوكل

التوكل اعتماد القلب على اللّه تعالى ، مع عدم الاضطراب عند فقد الأسباب الموضوعة في العالم ، التي من شأن النفوس أن تركن إليها ، فإن اضطرب فليس بمتوكل ، وهو من صفات المؤمنين ، فما ظنك بالعلماء من المؤمنين ، وإن كان التوكل لا يكون للعالم إلا من كونه مؤمنا ، كما قيده اللّه به ، وما قيده سدى ، فلو كان من صفات العلماء - ويقتضيه العلم النظري - ما قيده بالإيمان ، فلا يقع في التوكل مشاركة من غير المؤمن بأي شريعة كان ، وسبب ذلك أن اللّه تعالى لا يجب عليه شيء عقلا ، إلا ما أوجبه على نفسه ، فيقبله بصفة الإيمان لا بصفة العلم ، فإنه فعال لما يريد ، فلما ضمن ما ضمن ، وأخبر بأنه يفعل أحد الممكنين ، اعتمدنا عليه في ذلك على اليقين ، فصدقناه لأنه بالدليل والعلم النظري نعلم صدقه ، فسكوتنا وعدم اضطرابنا عند فقد الأسباب ، إنما هو من إيماننا بضمانه ، فلو بقينا مع العلم اضطربنا ، فالعالم إذا سكن فمن كونه مؤمنا ، وكونه مؤمنا من كونه عالما بصدق الضامن ، وتحقيق الوكالة ، من يستحقها ؟ هل اللّه ؟ أو هل العالم ؟ أو هل للّه منها نصيب وللعالم نصيب ؟ فاعلم أن الوكالة لا تصح إلا في موكل فيه ، وذلك الموكل فيه أمر يكون للموكل ليس لغيره ، فيقيم فيه وكيلا ، ويتصرف فيما للموكل أن يتصرف فيه مطلقا ، فمن نظر أن الأشياء - ما عدا الإنسان - خلقت من أجل الإنسان ، كان كل شيء له فيه مصلحة يطلبها بذاته ملكا له ، ولما جهل مصالح نفسه ، ومصالحه ما فيها سعادته ، خاف من سوء التصرف في ذلك ، وقد ورد فيما أوحى اللّه لموسى : يا بن آدم خلقت الأشياء من أجلك ، وخلقتك من أجلي ؛ فقال : إذ وقد خلق الأشياء من أجلي ، فما خلق إلا ما يصلح لي ، وأنا جاهل بالمصلحة التي في استعمالها نجاتي وسعادتي ، فلنوكله في أموري ، فهو أعلم بما يصلح لي ، فكما أنه خلقها ، هو أولى بالتصرف فيها ، هذا يقتضيه نظري وعقلي من غير أن يقترن بذلك أمر إلهي ، فكيف وقد ورد به الأمر الإلهي
الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 76 | ابن عربي / محمود محمود الغراب