تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
للمشاهدات ، وسهر العين رغبة في بقاء الهمة في القلب لطلب المسامرة ، فإن العين إذا نامت بطل عمل القلب ، فإن كان القلب غير نائم مع نوم العين ، فغايته مشاهدة سهره المتقدم لا غير ، وأما أن يلحظ غير ذلك فلا ، ففائدة السهر استمرار عمل القلب ، وارتقاء المنازل العلية المخزونة عند اللّه تعالى ، وحال السهر تعمير الوقت خاصة للسالك والمحقق ، غير أن المحقق في حالة زيادة التخلق الرباني لا يعرفه السالك ، وأما مقامه فمقام القيومية ، وربما بعض أصحابنا منع أن يتحقق أحد بالقيومية ، وبعضهم منع من التخلق بها ، لقيت أبا عبد اللّه بن جنيد « 1 » فوجدته يمنع من ذلك ، وأما نحن فلا نقول بذلك ، فقد أعطتنا الحقائق أن الإنسان الكامل لا يبقى له في الحضرة الإلهية اسم إلا وهو حامل له ، ومن توقف من أصحابنا في مثل هذه المسألة فلعدم معرفته بما هو الإنسان عليه في حقيقته ونشأته ، فلو عرف نفسه ما عسر عليه مثل هذا ، والسهر يورث معرفة النفس . تمت أركان المعرفة ، إذ المعرفة تدور على تحصيل هذه الأربعة المعارف ، معرفة اللّه ، والنفس ، والدنيا ، والشيطان ، فإذا اعتزل الإنسان عن الخلق وعن نفسه ، وصمت عن ذكره بذكر ربه إياه ، وأعرض عن الغذاء الجسماني ، وسهر عند موافقة نوم النائمين ، واجتمعت فيه هذه الخصال الأربعة ، بدلت بشريته ملكا ، وعبوديته سيادة ، وعقله حسا ، وغيبه شهادة ، وباطنه ظاهرا ، وإذا ترحل عن موضع ترك بدله فيه حقيقة روحانية ، يجتمع إليها أرواح أهل ذلك الموطن الذي رحل عنه هذا الولي ، فإن ظهر شوق - من أناسي ذلك الموطن - شديد لهذا الشخص ، تجسدت لهم تلك الحقيقة الروحانية التي تركها بدله ، فكلمها وكلمته ، وهو يتخيل أنه مطلوبه ، وهو غائب عنه ، حتى يقضي حاجته منه ، وقد تتجسد هذه الروحانية إن كان من صاحبها شوق أو تعلق همة بذلك الموطن ، وقد يكون هذا من غير البدل ، والفرق بينهما أن البدل يرحل ويعلم أنه ترك بدله ، وغير البدل لا يعرف ذلك وإن تركه « 2 » ، لأنه لم يحكم هذه الأربعة الأركان التي ذكرناها ، وفي ذلك قلت :
هامش
( 1 ) ذكر هذا الموضوع في كل من الفتوحات المكية الجزء الثالث ص 45 ، والجزء الرابع ص 179 ، وفي كتاب ذخائر الأعلاق ترجمان الأشواق . ( 2 ) هذا هو الفرق بين الأبدال والبدلاء .