السالكين ، وجوع اضطرار وهو جوع المحققين ، فإن المحقق لا يجوع نفسه ، ولكنه قد يقلل أكله إن كان في مقام الأنس ، فإن كان في مقام الهيبة كثر أكله ، فكثرة الأكل للمحققين دليل على صحة سطوات أنوار الحقيقة على قلوبهم بحال العظمة من مشهودهم ، وقلة الأكل دليل على صحة المحادثة بحال المؤانسة من مشهودهم ، وكثرة الأكل للسالكين دليل على بعدهم من اللّه ، وطردهم عن بابه ، واستيلاء النفس الشهوانية البهيمية بسلطانها عليهم ، وقلة الأكل لهم دليل على نفحات الجود الإلهي على قلوبهم ، فيشغلهم ذلك عن تدبير جسومهم ، والجوع بكل حال ووجه سبب داع للسالك والمحقق إلى نيل عظيم الأحوال للسالكين ، والأسرار للمحققين ، ما لم يفرط تضجرا في الجائع ، فإنه إذا أفرط أدى إلى الهوس وذهاب العقل وفساد المزاج ، فلا سبيل للسالك أن يجوع الجوع المطلوب لنيل الأحوال إلا عن أمر شيخ ، وأما وحده فلا سبيل ، لكن يتعين على السالك إذا كان وحده التقليل من الطعام ، واستدامة الصيام ، ولزوم أكلة واحدة بين الليل والنهار ، وأن يغب الإدام الدسم ، فلا يأتدم في الجمعة سوى مرتين ، إن أراد أن ينتفع به ، حتى يجد شيخا ، فإذا وجده سلم أمره إليه ، وشيخه يتدبر حاله وأمره ، إذ الشيخ أعرف بمصالحه منه ، وللجوع حال ومقام ، فحاله الخشوع والمسكنة والذلة والافتقار وعدم الفضول وسكون الجوارح وعدم الخواطر الردية ، هذا حال الجوع للسالكين ، وأما حاله في المحققين ، فالرقة والصفاء والمؤانسة وذهاب السكون والتنزه عن الأوصاف البشرية بالعزة الإلهية والسلطان الرباني ، ومقامه المقام الصمداني ، وهو مقام عال له أسرار وتجليات وأحوال ، ذكرناها في كتاب مواقع النجوم في عضو القلب ، ولكن في بعض النسخ فإني استدركته فيه بمدينة الجابية سنة سبع وتسعين وخمسمائة ، وكان قد خرجت منه نسخ كثيرة في البلاد لم يثبت فيها هذا المنزل ، فهذا فائدة الجوع لصاحب الهمة ، لا جوع العامة ، فإن جوع العامة جوع صلاح المزاج ، وتنعيم البدن بالصحة لا غير ، والجوع يورث معرفة الشيطان ، عصمنا اللّه وإياكم منه .
فصل في السهر
السهر نتيجة الجوع ، فإن المعدة إذا لم يكن فيها طعام ذهب النوم ، والسهر سهران : سهر العين وسهر القلب ، فسهر القلب انتباهه من نومات الغفلات طلبا