تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢

فصل في العزلة

العزلة سبب لصمت اللسان ، فمن اعتزل عن الناس لم يجد من يحادثه ، فأداه ذلك إلى الصمت باللسان ، والعزلة على قسمين : عزلة المريدين وهي بالأجسام عن مخالطة الأغيار ، وعزلة المحققين وهي بالقلوب عن الأكوان ، فليست قلوبهم محالا لشيء سوى العلم باللّه تعالى ، الذي هو شاهد الحق فيها ، الحاصل من المشاهدة ، وللمعتزلين نيات ثلاث : نية اتقاء شر الناس ، ونية اتقاء شره المتعدي إلى الغير ، وهو أرفع من الأول ، فإن في الأول سوء الظن بالناس ، وفي الثاني سوء الظن بنفسه ، وسوء الظن بنفسك أولى لأنك بنفسك أعرف ، ونية إيثار صحبة المولى من جانب الملأ الأعلى ، فأعلى الناس من اعتزل عن نفسه إيثارا لصحبة ربه ، فمن آثر العزلة على المخالطة ، فقد آثر ربه على غيره ، ومن آثر ربه لم يعرف أحد ما يعطيه اللّه تعالى من المواهب والأسرار ، فإنه لا تقع العزلة أبدا في القلب ، إلا من وحشة تطرأ على القلب من المعتزل عنه ، وأنس بالمعتزل إليه ، وهو الذي يسوقه إلى العزلة ، فكانت العزلة تغني عن شرط الصمت ، فإن الصمت لازم لها ، فهذا صمت اللسان . وأما صمت القلب فلا تعطيه العزلة ، فقد يتحدث الواحد في نفسه بغير اللّه تعالى مع غير اللّه ، فلهذا جعلنا الصمت ركنا من الأركان في الطريق قائما بنفسه ، فمن لازم العزلة وقف على أسرار الوحدانية الإلهية ، هذا ينتج له من المعارف ، ومن الأسرار أسرار الأحدية التي هي الصفة ، وحال العزلة التنزيه عن الأوصاف البشرية سالكا كان المعتزل أو محققا ، وأرفع أحوال العزلة الخلوة ، فإن الخلوة عزلة في العزلة ، فنتيجتها أقوى من نتيجة العزلة العامة ، فينبغي للمعتزل أن يكون صاحب يقين مع اللّه تعالى ، حتى لا يكون له خاطر متعلق خارجا عن بيت عزلته ، فإن حرم اليقين فليستعد لعزلته قوته زمان عزلته ، حتى يتقوى يقينه بما يتجلى له في عزلته ، لابد من ذلك ، هذا شرط محكم من شروط العزلة ، والعزلة تورث معرفة الدنيا .

فصل في الجوع

الجوع هو الركن الثالث من أركان هذا الطريق الإلهي ، وهو يتضمن الركن الرابع الذي هو السهر ، كالعزلة تتضمن الصمت ، والجوع جوعان : جوع اختيار وهو جوع