بالأربعة التي ذكرها أبو طالب في القوت « 1 » ، الصمت ، والعزلة ، والجوع ، والسهر ، ثم انصرف عني ، ولا أعرف كيف دخل ولا كيف خرج ، غير أن بابي على حاله مغلق ، والحصير الذي أعطانيه تحتي ، وهذا الرجل هو من الأبدال واسمه معاذ بن أشرس رضي اللّه عنه « 2 » ، فهذه الأربعة التي ذكرها هي عماد هذا الطريق الأسنى وقوائمه ، ومن لا قدم له فيها ولا رسوخ فهو تائه عن طريق اللّه تعالى ، وغرضنا في هذه الكراسة الكلام في هذه الفصول الأربعة ، وما تعطيه من المعارف والأحوال ، جعلنا اللّه وإياكم ممن تحقق بها ، وداوم عليها إنه على ذلك قدير .
فصل في الصمت
الصمت على قسمين : صمت باللسان عن الحديث بغير اللّه تعالى جملة واحدة ، وصمت بالقلب عن خاطر يخطر له في النفس في كون من الأكوان البتة ؛ فمن صمت لسانه ، ولم يصمت قلبه ، خف وزره ، ومن صمت لسانه وقلبه ظهر له سره ، وتجلى له ربه ، ومن صمت قلبه ، ولم يصمت لسانه ، فهو ناطق بلسان الحكمة ، ومن لم يصمت بلسانه ولا بقلبه ، كان مملكة للشيطان ومسخرة له ، فصمت اللسان من منازل العامة وأرباب السلوك ، وصمت القلب من صفات المقربين ، أهل المشاهدات ، وحال صمت السالكين السلامة من الآفات ، وحال صمت المقربين مخاطبات التأنيس .
فمن التزم الصمت في جميع الأحوال كلها لم يبق له حديث إلا مع ربه ، فإن الصمت على الإنسان محال في نفسه ، فإذا انتقل من الحديث مع الأغيار إلى الحديث مع ربه ، كان نجيا مقربا ، مؤيدا في نطقه ، إذا نطق نطق بالصواب ، لأنه ينطق عن اللّه ، قال تعالى في حق نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
فالنطق بالصواب نتيجة الصمت عن الخطأ ، والكلام مع غير اللّه خطأ بكل حال ، وبغير اللّه « 3 » شر من كل وجه ، قال اللّه تعالى
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ
ولكمال شروطها قال اللّه تعالى
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
ولحال الصمت مقام الوحي على ضروبه ، والصمت يورث معرفة اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) يعني أبو طالب المكي في كتاب قوت القلوب .
( 2 ) ذكر أنه من الأبدال في الفتوحات المكية الجزء الأول ص 277 والجزء الثاني ص 7 .
( 3 ) يعني الكلام بغير اللّه .