تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
فصل لما سعف الزاهد بترك دنياه ، والمتوكل يكله أمره إلى مولاه ، والمريد بالسماع والوجد ، والعابد بالعبادة والجهد ، والحكيم العارف بالهمة والقصد ، وغاب العالمون الحاكمون في الغيب ، فلم يعرفهم عالم ولا مريد ولا عابد ، ولا شهدهم متوكل ولا زاهد ، فترك الزاهد للعوض ، وتوكّل المتوكل لنيل الغرض ، وتواجد المريد لتنفيس الكرب ، واجتهاد العابد رغبة في القرب ، وقصد العارف الحكيم بهمته الوصول ، وإنما يتجلى الحق لمن انمحى رسمه ، وزال عنه اسمه ، فالمعرفة حجاب على المعروف ، والحكمة باب عنده يكون الوقوف ، وما بقي من الأوصاف فأسباب كالحروف ، وهذه كلها علل تعمي الأبصار ، وتطمس الأنوار ، فلو لا وجود الكون لظهر العين ، ولولا الأسماء لبرز المسمى ، ولولا المحبة لاستمر الوصال ، ولولا الحظوظ به لملكت المراتب ، ولولا الهوية لظهرت الإنية ، ولولا هو لكان أنا ، ولولا أنت لبدا رسم الجهل قائما ، ولولا الفهم لقوي سلطان العلم ، فإذا تلاشت هذه الظلم ، وطارت بمرهفات الفنا هذه التهم .
تجلى لقلبك من لم يزل * به قاطنا في غيوب الأزل
وما حجب العين عن دركها * سواك ولكن بضرب المثل
تبين للقلب أن الذي * رآه به دائما لم يزل
وجاء الخطاب بعلم الكلام * ويبدي سناه رسوم المحل

فصل

كان لنا بمرشانة الزيتون ببلاد الأندلس صاحب من الصالحين ، يعلم القرآن ، وكان فقيها مجيدا حافظا ، ذا ورع وفضل وخدمة للفقراء ، اسمه عبد المجيد بن سلمة « 1 » وفقه اللّه ، قال : بينا أنا ليلة في مصلاي قد أكملت حزبي ، وجعلت رأسي بين ركبتي أذكر اللّه تعالى ، إذ تحسست لشخص قد نقض مصلاي من تحتي ، وبسط عوضا منه حصيرا حصيفا ، وقال : صل عليه - وباب بيتي علي مغلق - فداخلني منه جزع ، فقال لي : اتق اللّه في كل حال ، ثم إني ألهمت فقلت له : يا سيدي بماذا يصير الأبدال أبدالا ؟ فقال لي :
هامش
( 1 ) ذكره الشيخ في الفتوحات المكية الجزء الأول ص 277 والجزء الثاني ص 7 .