ذلك ، فإن فيها من يطلب ذلك ، وأنت بالسر الإلهي والروح الأمري بمعزل عن هذا الطلب الذي تطلبه النفس الحيوانية ، فإنك مجموع ، ولا تلحق بأهل الغلط من أهل هذه الطريق ، الذين يجوعون تلامذتهم من غير صوم ، أو يصومونهم ثم يطعمونهم قبل غروب الشمس ، ذلك غلط منهم ، وجهل بطريق اللّه تعالى ، وإن كانوا يقصدون بذلك مخالفة النفوس فما هذا موضعه ، وبلسانهم أقول :
أجوع ولا أصوم فإن نفسي * تنازعني على أجر صيام
فلو فنيت أجيرتها لقلنا * بإيجاب الصيام وبالقيام
فإن العبد عبد اللّه ما لم * يكن في نفسه هدف لرامي
إنما ينبغي أن يخالفوها في تعيين المأكول على حد مخصوص ووجه معين ، وميزان مستقيم يعرفه أهل اللّه ، فإذا مالت إلى طعام خاص معين عندها ، حتى لا تكره شيئا من نعم اللّه ، ولقد عملت على هذا زمانا حتى طاب لي كل شيء ، كنت لا أقدر على أكله وتمجه نفسي ، وكذلك من التقليل منه ، وهو أشد على النفس أن تشرع في شيء ثم يحال بينها وبين التملي منه .
الجوع بئس ضجيع العبد جاء به * لفظ النبي فلا ترفع به رأسا
قد أدرك القوم في تعيينه غلط * ولم يقيموا له وزنا وقسطاسا
من قال ما الجوع ؟ لم يعرف حقيقته * وقد أضل بما قد قاله الناسا
جوع العوائد محمود ولست أرى * فيما أراه من استعماله باسا
جوع الطبيعة مذموم وليس يرى * فيه المحقق بالرحمن إيناسا
فترك الجوع عند القوم ليس الشبع ، وإنما هو إعطاء النفس حقها من الغذاء التي جعل اللّه به صلاح مزاجها وقوام بنيتها ، فإذا أحس صاحب هذه الحالة بالجوع فذلك جوع العادة ، خرّج أبو بكر البزار في مسنده أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يتعوذ من الجوع ويقول : « إنه بئس الضجيع » ولا يذم حالا يعطي الفوائد ، فدل أنه لا فائدة في مثل هذا الجوع ، وأن الفوائد فيما أظهر الشرع ميزانه من ذلك ، فترك الجوع عبادة ، وطريق موصلة إلى اللّه ، وبهذا فضل سلمان على أبي الدرداء ، وشهد له بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إن لنفسك عليك حقا ، ولعينك عليك حقا ، ولزورك عليك حقا ، ولأهلك عليك حقا ، فقم ونم ، وصم