ينساه ، ولا يكثر الأوراد ولا الحركات ، وليرد اشتغاله إلى قلبه دائما ، هكذا يكون دأبه وديدنه .
فإذا اعتزلت عن الخلق فاحذرهم من قصدهم إليك وإقبالهم عليك ، فإن من اعتزل عن الخلق لم يفتح بابه لقصد الناس إليه ، فإن المراد من العزلة ترك الناس ومعاشرتهم ، وليس المراد من ترك الناس ترك صورهم ، وإنما المراد أن لا يكون قلبك معهم ، ولا أذنك وعاء لما يأتون به من فضول الكلام ، فلا يصفو القلب من هذيان العالم ، فكل من اعتزل في بيته ، وفتح باب قصد الناس إليه ، فإنه طالب رياسة وجاه ، مطرود عن باب اللّه تعالى ، والهلاك إلى مثل هذا أقرب من شراك نعله ، فاللّه اللّه ، تحفظ من تلبيس النفس في هذا المقام ، فإن أكثر الخلق هلكوا فيه ، فاغلق بابك دون الناس ، وكذلك باب بيتك بينك وبين أهلك ، واشتغل بذكر اللّه .
الصمت
وأما الصمت ، فهو أن لا يتكلم مع مخلوق من الوحوش والحشرات التي لزمته في سياحته أو في موضع عزلته ، وإن ظهر له أحد من الجن أو من الملأ الأعلى فيغمض عينه عنهم ، ولا يشغل نفسه بالحديث معهم وإن كلموه ، فإن تفرض عليه الجواب أجاب بقدر أداء الفرض بغير مزيد ، وإن لم يتفرض عليه سكت عنهم واشتغل بنفسه ، فإنهم إذا رأوه على هذه الحالة اجتنبوه ، ولم يتعرضوا له واحتجبوا عنه ، فإنهم قد علموا أنه من شغل مشغولا باللّه عن شغله به عاقبه اللّه أشد عقوبة ، وأما صمته في نفسه عن حديث نفسه ، فلا يحدّث نفسه بشيء مما يرجو تحصيله من اللّه فيما انقطع إليه ، فإنه تضييع للوقت فيما ليس بحاصل ، فإنه من الأماني ، وإذا عوّد نفسه بحديث نفسه ، حال بينه وبين ذكر اللّه في قلبه ، فإن القلب لا يتسع للحديث والذكر معا ، فيفوته السبب المطلوب منه في عزلته وصمته ، وهو ذكر اللّه تعالى الذي تنجلي به مرآة قلبه فيحصل له تجلي ربه .
الجوع
وأما الجوع فهو التقليل من الطعام ، فلا يتناول منه إلا قدر ما يقيم صلبه لعبادة ربه في صلاة فريضته ، فإن التنفل في الصلاة قاعدا - بما يجده من الضعف لقلة الغذاء - أنفع وأفضل وأقوى في تحصيل مراده من اللّه من القوة التي تحصل له من الغذاء لأداء النوافل