قائما ، فإن الشبع داع إلى الفضول ، فإن البطن إذا شبع طغت الجوارح وتصرفت في الفضول ، من الحركة والنظر والسماع والكلام ، وهذه كلها قواطع له عن المقصود .
الجوع موت أبيض * وهو من أعلام الهدى
ما لم يؤثر خبلا * فهو داء وهو دا
فاحكم به تكن به * موفقا مسددا
الجوع حلية أهل اللّه ، وأعني بذلك جوع العادة وهو الموت الأبيض ، فالجوع المطلوب في الطريق هو للسالكين جوع اختيار ، لتقليل فضول الطبع ، وطلب السكون عن الحركة إلى الحاجة ، فإن علا فلطلب الصفة الصمدية ، وحدّه عندنا صوم يوم فإن زاد فإلى السحر ، هذا هو الجوع المشروع الاختياري ، وما لنا طريق إلى اللّه إلا على الوجه المشروع ، ولولا أن اللّه جعل هذا حد المصلحة في عموم خلقه لما وقّته إلى هذا القدر ، فلا يكون الإنسان في الزيادة عليه أعلم بمصالح الجوع في العبد من ربه ، هذا غاية سوء الأدب ، فإن كان ممن يطعم ويسقى في مبيته وفنائه ويجد أثر ذلك في قوته ، وصحة عقله ، وحفظ مزاجه ، فليواصل ما شاء ، فإنه ليس بصاحب جوع ، وكلامنا في الجوع ، وأما جوع الأكابر فجوع اضطرار ، فإن الذي ينتجه الجوع قد حصل لهم ملكة لا تزول عنهم في حال جوع ولا شبع ، فلم يبق إلا التقليل ولكن من الحلال ، إما للنشاط في الطاعات ، وإما لخفة الحساب ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنكم لتسألون عن نعيم هذا اليوم » ولم يكن سوى تمر وماء ، وما أدخل نفسه في الجماعة ، فإن للّه عبادا سليمانيين يقول اللّه لهم
هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ
فينبغي للصالح السالك أن لا يزيد على الحد المشروع ، فيكون متبعا ، فإن ترك العمل بالاتباع أعظم أجرا من العمل بالابتداع ، ولما قال صلّى اللّه عليه وسلّم « إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فسدوا مجاريه بالجوع والعطش » لم يختلف أحد من العلماء ولا من أهل اللّه أنه أراد الصوم والتقليل من الطعام في السحور المسنون لمن واصل وفي الإفطار لمن أفطر ، فإنه قال « بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه » فلا يتعدى المريد الحد الذي سنه من شرع الطريق إلى اللّه به .
ولا تجع من غير صوم فإنه غير طريق مشروعة ، ولا تجعل سبب ذلك حديث أجر الصوم ، فذلك ليس لك ، إنما هو للعمل ، ودع النفس ترغب في الأجرة التي لها على