والعطش ، وقيام الليل وذكر اللسان والتلاوة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد في سبيل اللّه ، ورمي ما تملكه اليد إن كان وحده - لا تكون له عائلة ولا شيخ - فإن كان بين يدي شيخ معتبر يربيه ، فيرمي ما بيده بين يدي ذلك الشيخ ، ويخرج عنه بالكلية ظاهرا وباطنا ، ولا يبقي له ملكا ، وإن كره ذلك بباطنه لضعفه أو أدركته فيه مشقة ، وأصل ذلك إتيان أبي بكر رضي اللّه عنه بجميع ما يملكه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين قال له « ائتني بما عندك » ؛ ويعطي حكم ذوق العقل الرياضات النفسية وتهذيب الأخلاق ، فتتضمن الرياضة المجاهدات البدنية ، ولا تتضمن المجاهدات الرياضات ، فالرياضات أتم في الحكم ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعث ليتمم مكارم الأخلاق ، فمن جبل عليها فهو منور الذات مقدس ، ومن لم يجبل عليها ، فإن الرياضة تلحقه بها ، وتحكم عليه ، فإنه لا يحصل لك العطف الإلهي إلا بعد تجريع الغصص في الرياضات والمجاهدات ، التي تذهب من العبد كل ما لا يليق بظهورها عليه . ( ف ح 2 / 548 - الأعلاق )
الخصال الأربعة الظاهرة
وأنا أذكر لك من شأن كل واحدة من هذه الخصال ما يحرضك على العمل بها والدؤوب عليها ، واللّه ينفعنا وإياك ، ويجعلنا من أهل عنايته ولنبتدىء بالظاهر أولا .
العزلة
ولنقل أما العزلة وهي رأس الأربعة المعتبرة ، التي ذكرناها عند الطائفة ، وقد ذكرها أبو طالب في القوت ، فالعزلة هي أن يعتزل المريد كل صفة مذمومة ، وكل خلق دنيء ، هذه عزلته في حاله ، وأما في قلبه فهو أن يعتزل بقلبه عن التعلق بأحد من خلق اللّه له ، من أهل ومال وولد وصاحب ، وكل ما يحول بينه وبين ذكر ربه بقلبه حتى عن خواطره ، ولا يكن له همّ إلا واحد وهو تعلقه باللّه ، وأما في حسه ، فعزلته في ابتداء حاله الانقطاع عن الناس وعن المألوفات ، إما في بيته وإما بالسياحة في أرض اللّه ، فإن كان في مدينة فبحيث لا يعرف ، وإن لم يكن في مدينة فيلزم السواحل والجبال والأماكن البعيدة من الناس ، فإن أنست به الوحوش وتألفت به وأنطقها اللّه في حقه فكلمته أو لم تكلمه ، فليعتزل عن الوحوش والحيوانات ، ويرغب إلى اللّه تعالى في أن لا يشغله بسواه ، وليثابر على الذكر الخفي ، وإن كان من حفاظ القرآن فيكون له منه حزب في كل ليلة يقوم به في صلاته لئلا