تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢

الرياضة

الرياضة تذليل الصعب من الأمور ، فمن ذلل صعبا فقد راضه ، ولا تكون إلا في صعب الانقياد ، وكثير الجموح أو منعوت بالجموح ، ومنها رضت الدابة وهو الإذلال ، ولا يوصف به إلا الجموح ، والجموح نزاع ، وإنما يراض المهر الصغير لجموحه وجهله بما خلق له ، فإنه خلق للتسخير والركوب والحمل عليه ، والمهر يأبى ذلك ، فإنه ما يعلمه ، فيراض حتى ينقاد في أعنة الحكم الإلهي ، وكذلك رياضة النفوس لولا ما فيها من الجموح ما راضها صاحبها ، فإن النفوس الإنسانية لما خلقها اللّه على الصورة الإلهية شمخت على جميع العالم ممن ليست له هذه الحقيقة ، وانحجبت عن الحقائق الإلهية التي تستند إليها حقائق العالم ، حقيقة حقيقة ، فاكتسبت الرياضة لأجل هذا الشموخ ، فذلت تحت سلطانه وحمدت على ذلك ، فمن راض نفسه فقد أزال عنها جموحها ، فإنها تحب الرياسة والتقدم على أشكالها ، والرياضة تمنع النفس من هذا الخاطر وسلطانه ، ولا ترى لها شفوفا على غيرها ، لاشتراكها معهم في العبودية ، وإحاطة القبضة بالكل ، فبماذا ترأس ؟ فتمتثل أمر اللّه من حيث أنها مخاطبة من عند اللّه بذلك ، وتود أن يكون كل مخاطب من العبيد مسارعا إلى امتثال أمر سيده إيثارا لجنابه ، ما يخطر لها في المسارعة أن تسبق غيرها من النفوس ، فيكون لها بذلك مزية على غيرها ، لا يقتضي مقام الرياضة ذلك ، فإن الرياضة خروج عن الأغراض النفسية مطلقا من غير تقييد .
إذا هذب الإنسان أخلاقه * وأخرجها عن طبعها ومرادها
وذاك محال عندنا كونه فما * يرى راضها من راضها بعنادها
فإن كنت ذا علم فإن مصارفا * لها عيّنت بالشرع عند فسادها
اعلم أن الرياضة عند القوم من الأحوال وهي قسمان : - رياضة الأدب ، ورياضة الطلب ، فرياضة الأدب عندهم : الخروج عن طبع النفس ، ورياضة الطلب : هي صحة المراد به أعني بالطلب ، وعندنا الرياضة : تهذيب الأخلاق ، فإن الخروج عن طبع النفس لا يصح ، ولما كان لا يصح بيّن اللّه لذلك الطبع مصارف ، فلما وقفت النفوس عندها حمدت وشكرت ، ولم تخرج بذلك عن طبعها ، فرياضتها اقتصارها على المصارف التي عينها لها خالقها ، فإن عين الشيء المزاجي ليس غير مزاجه ، فلو خرج الشيء عن طبعه لم يكن