تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
من المردان ، ومجالسة النساء ، وأخذ الإرفاق ، فإن القلوب تميل إلى كل من أحسن إليها ، والطبع يطلبهم ، والقوة الإلهية على دفع الشهوات النفسية ما هي هناك ، والمعرفة معدومة من هذا الصنف من الناس ، وما صبر تحت الاختبار الإلهي إلا الذهب الخالص المعدني ، الذي حاز رتبة الكمال وما بقي فيه من تربة المعدن شيء ، وكل تكليف فتنة ، وجميع المخلوقات فتنة ، والاطلاع على نتائج الاعمال فتنة ، فأغوار النفوس لا يدركها إلا فحول أهل اللّه ، فلا تفرح بالالتذاذ بالطاعات ، ورفع المشقة فيها عنك دون ميزان القوم في ذلك ، فإن المريد يجد من اللذة وحلاوة التوبة ما يهون عليه ركوب الشدائد . ويسهل عليه صعوبة طريقه . فالإنسان إذا أنصف لربه من نفسه ولنفسه من نفسه ، عرف حاله ، بل كان أعرف بحاله من غيره ، إلا من العارفين باللّه ، فإنهم أعرف به من نفسه ، لأن العارفين لهم أعين في قلوبهم ، فتحتها لهم المعرفة ، يرون بها منك ما تجهله أنت من نفسك ، لأنك ليست لك تلك العين ، ولهذا قال الجنيد : « العارف من ينطق عن سرك وأنت ساكت » والسكوت عدم الكلام ، فمعناه يعرف منك ، ما لا تعرفه أنت من نفسك ، كالخفي من سوء المزاج يعرفه الطبيب منك إذا نظر إليك ولا تعرفه أنت ، وهؤلاء هم أطباء النفوس . ( ف ح 2 / 190 ، 492 ، 191 )

تجرد المريد إلى جانب الحق

ينبغي للعبد أن لا يقوم في مقام يشمّ منه فيه روائح ربوبية ، فإن ذلك زور وعين جهل ، وصاحبه ما حصل له مقام العبودة كما هو الأمر في نفسه ، ولا أريد من قولي « لا تشم فيه رائحة ربوبية » إلا عنده في نفسه ، لا يغفل عن مشاهدة عبوديته ، وأما غيره فقد ينسبون إليه ربوبية ، لما يرونه عليه من ظهور آثارها ، فذلك للّه لا له ، وهو في نفسه على خلاف ما يظهر للعالم منه ، فإن ذلك محال أن لا يظهر للربوبية أثر منها عليه ، وإذا عرف التلميذ من الشيخ أنه بهذه المثابة ، فقد فتح اللّه على ذلك التلميذ بما فيه سعادته ، فإنه يتجرد إلى جانب الحق تجرد الشيخ ، فإنه عرف منه واتكل على اللّه لا عليه ، وبقي ناظرا في الشيخ ما يجري اللّه عليه من الحال في حق ذلك التلميذ ، من نطق بأمر يأمره به أو ينهاه ، أو بعلم يفيده ، فيأخذه التلميذ من اللّه على لسان هذا الشيخ ، ويعلم التلميذ في نفسه من