جميع ما أعطاه العالم كله ، أعلاه وأسفله ، مما هو له ، وهو أمانة عندهم ، فشكر اللّه على ذلك ، وعلم أن كل ما في الكون مسخر له ولأمثاله ولكن لا يعلمون . ( ف ح 3 / 176 ) .
المريد والمراد :
المريد المكين ، من يقول لما يريد : - كن فيكون ، فمن لم يكن له هذا المقام ، فما هو مريد والسلام . من كانت إرادته قاصرة ، وهمته متقاصرة ، لا يتميز عن سائر العبيد ، فهذا معنى المريد .
ليس المريد الذي قامت إرادته * به ولكنه من ينقضي غرضه
فإن أراد أمورا ليس يدركها * فإن حاكمه في صرفه مرضه
وليس إذ ذاك من أهل الطريق ولا * في حكمه جوهر في الكون أو عرضه
فاعلم - يا ولي وفقك اللّه - أن لفظة المريد عند المحققين من أهل اللّه ، تطلق بإزاء المنقطع إلى اللّه ، المؤثر جناب اللّه ، الساعي في محاب اللّه ومراضيه ، وقد يطلقونها بإزاء المتجرد عن إرادته ، وأعظم مراتب المريد عندهم وعندنا أن يكون نافذ الإرادة ، لا عن كشف ، فإن كان عن كشف فليس بمريد ، وإنما هو عالم بما يكون - كما أنه ليس من شرط المراد أن تكون له إرادة فيما يقع في الوجود به وبغيره - أن يكون ما يقع مشهودا له في إرادته ، فيريده قبل وقوعه ، بل قد لا يكون ذلك ، وليس بشرط ، وإنما حاله أنّ الأمر إذا وقع في الوجود يرضى به ، ويلتذ بوقوعه ، ولا يرده بخاطره ، ولا يكرهه ، فاعلم أنه من أعلمه اللّه مراده فيما يكون عناية منه ، فإنه مطلوب بالتأهب لذلك ، ولا سيما فيما يقع به لا بغيره ، فيتلقاه بالصفة التي يطلبها ذلك الواقع شرعا من رضى أو صبر أو شكر ، فإن كان مع هذا الإعلام يكون مريدا لذلك ، فتلك إرادة موافقة ، ويكون مريدا لقيام الإرادة به ، لا لنفوذ إرادته ، فإنه لا ينبغي في الطريق أن يسمى مريدا ، إلا من تنفذ إرادته ، وهو اللّه ، أو من أعطاه اللّه ذلك من خلقه ، وما سمعنا أنه نال هذا المقام أحد من خلق اللّه ، فإنه قد صح عندنا كشفا ونقلا ، أنه لا مقام أعلى من مقام محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومع هذا قد سأل اللّه في أشياء ، منها : - أن لا يجعل بأس أمته بينها ، فلم يقبل سؤاله في ذلك ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم « فمنعنيها » فإذا لم يكمل مقام نفوذ الإرادة له صلّى اللّه عليه وسلّم فكيف يناله غيره ؟ فإنه ممن انفرد اللّه به . فمن أطلعه اللّه على مراداته فما أراد إلا ما يقع ، فيظهر نفوذ إرادته ، وما يعلم الناس ما هو مشهوده الذي