يكون قلبه بيت الحق جل جلاله وعلا ، كما أخبر سبحانه على التنزيه ونفي التشبيه ، .
فليعمد إليه ويمط عنه كل أذى من كبر وعجب ، وما ذكرناه من الأوصاف المذمومة شرعا وعادة ، فإذا أماط عنه هذه الأوصاف غسله بماء الإخلاص والمراقبة ، وفرشه بالذل والافتقار ، وأسرج فيه سرج الأخلاق الإلهية السماوية ، حتى غمسه النور ، وأشرقت زواياه ، وأقام على بابه بوابين : التوحيد والأدب ، فيقال عنه حينئذ : - « المريد من يجد في القرآن كل ما يريد » .
( ف ح 4 / 377 - ح 2 / 525 - مواقع النجوم - ف ح 4 / 377 )
مريد التربية
المريدون - الذين هم تحت حكم الشيوخ - هم بحكم أشياخهم فيهم ، فإن كانوا شيوخا حقيقة مقدّمين من عند اللّه ، فهم أنصح الناس لعباد اللّه ، وإن لم يكونوا فعليهم وعلى أتباعهم الحرج من اللّه ، لأن اللّه قد وضع الميزان المشروع في العالم لتوزن به أفعال العباد ، والأشياخ يسألون ولا يقتدى بأفعالهم ، إلا إن أمروا بذلك في أفعال معينة ، قال تعالى : -
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ
وهم أهل القرآن وخاصته ، وأهل القرآن هم الذين يعملون به ، وهو الميزان الذي قلنا ، ولا ينبغي أن يقتدي بفعل أحد دون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن أحوال الناس تختلف ، فقد يكون عين ما يصلح للواحد يفسد به الآخر إن عمل به ، والعلماء الذين يخشون اللّه أطباء دين اللّه ، المزيلون علله وأمراضه ، العارفون بالأدوية ، فإذا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد اختلف الناس في أفعاله ، هل هي على الوجوب أم لا ؟ فكيف بغيره ، مع قول اللّه تعالى
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
وقوله
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
؟ وهذا كله ليس بنص منه في وجوب الاتباع في أفعاله ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم قد اختص بأشياء لا يجوز لنا اتباعه فيها ، ولو اقتدينا به فيها كنا عاصين مأثومين ، فينبغي لكل مؤمن ، ويجب على كل مدع في طريق اللّه ، إذا لم يكن من أهل الكشف والوجود والخطاب الإلهي ، وممن لا يكون يطفئ نور معرفته نور ورعه ، أن يجتنب كل أمر يؤدي إلى شغل القلب بغير اللّه ، فإنه فتنة في حقه ، ويجب عليه أن يغلب عقله على شهوته ، بل يسعى في قطع المألوفات ، وترك المستحسنات الطبيعية ، وما يميل الطبع البشري ، ويجتنب مواضع التهم وصحبة المبتدعين في الدين ما لم يأذن به اللّه ، وهم الأحداث ، وكذلك صباح الوجوه