تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
أشهده الحق ، فهم يتخيلون أن ذلك المراد الواقع من أثر همته ، وليس كذلك . فالمريد من انقطع إلى اللّه تعالى عن نظر واستبصار ، وطلب مرضاة اللّه ، وتجرد عن إرادته ، إذ علم أنه ما يقع في الوجود إلا ما يريده اللّه ، لا ما يريده الخلق ، فيقول هذا المريد : - « فلماذا أتعنى ؟ وأريد ما لا أعلم أنه يقع أم لا يقع ؟ فإنه لا علم لي بما في علم اللّه تعالى من ذلك ، فإن وقع ما أريد فلكونه مرادا للّه ، فبماذا أفرح ؟ وإن لم يقع فلابد من انكسار الخيبة . فأستعجل الهم ؛ وربما ينجر معه عدم الرضى ، فيتجرد عن إرادته فلا يبقى له إرادة إلا على هذا الحكم ، وأما الذي يطلعه اللّه من المريدين على مراد اللّه في العالم ، فإن ذلك قد يكون على أحد طريقين ، الطريق الواحدة بإخبار إلهي وكشف لما يكون ، والطريق الثانية أن يرزقه اللّه علم ما تعطيه حقائق الأشياء وترتيبها الإلهي الذي رتبت عليه ، فيريد عند ذلك أمرا ما ، فلا تخطىء إرادته ، بل يقع مراده على حسب ما تعلق به ، فهذا مريد بالحق ، كما كان سميعا بصيرا بالحق ، إذ كان الحق سمعه وبصره ، فتكون أيضا إرادته ، ومهما أخطأت إرادته فليس بمريد على الحقيقة ، إذ لا فائدة في أن لا يكون مريدا إلا من قامت به الإرادة ، وإنما الفائدة في أن لا يكون مريدا إلا من تنفذ إرادته . فالمريد في هذه الطريقة يحمل المشاق والشدائد والمكاره ، مشاق وشدائد ومكاره غير ملتذ بها ، بل يحملها من أجل اللّه ، أو أجل ما له فيها ، أي في حملها من السعادة الأبدية أعلاها ، وأن يشكر اللّه فعله ، فيكون ممن أثنى اللّه عليه ، فيتجرع الغصص ويصبر عليها ، لعلمه بما في ذلك من الخير الإلهي ، وقد يكون بعض رجال اللّه مريدا من وجه ، مرادا من وجه ، فتختلف أحواله ، فتختلف أحكامه ، فإذا التذ بالواقع المكروه كان مرادا ، وإذا تألم بالواقع المحبوب كان مريدا ، فكيف حاله بالمكروه ؟ فالمراد والمريد سببان على الحقيقة في تعلق إرادة الحق بهدايتهما ، غير أن المراد سالك الطريق بالتنعم والمشاهدة ، متلذذ بأفعاله ، نشيط النفس بالقيام بحق الأجانب وبحدود سيده ، يتنعم بالبلاء تنعم الأجانب بالنعماء ، والمريد يسلك الطريق بالمجاهدة الشاقة ، والمكابدة والتنغيص ، يحمل السالك على نفسه القيام بحدوده ، ويصبر على البلاء رجاء حصول النعماء ، فكم بين نفس تحملك على الطاعة ، لالتذاذها يجذب الحق لها في غيبه ، وبين نفس تحملها على الطاعة ، بغاية الجهد والكد ، وهي تروغ عنها روغان الثعلب ، فصاحبها في مجاهدة ، فمن أراد أن