وبدنه ، فلم يكن له ذلك الإدلال ولا كمال الأنس بذلك العالم ، وأخذت عن الأرواح الملكية علوما لم تكن عندها ، وما علمت أن ثمّ طريقا تصل منه إذا سلكت عليه إلى الأخذ عن اللّه منشىء الكل ، وأن بينه وبينها بابا خاصا يخصها ، فقالت هذا هو الغاية ، وما ثمّ إلا هؤلاء ، ونظرت إلى تفوقها بذلك على غيرها من أمثال ، فقنعت ، فكل ما يأتي به من هذا نعته وحاله ليس له ذوق إلهي البتة ، ولا يأخذ أبدا إلا عن الأرواح والعقول الملكية أخذ حال لا أخذ نطق ، إلا إن تجسد له في خياله أمر يخاطبه ، وصاحب الطريقة الشرعية يقلد الشارع فيما أخبره ، من أنه ما ثمّ إله بينه وبين العالم مناسبة ، وأنه تعالى ليس كمثله شيء ، ولا يشبه شيئا من العالم أعلاه وأسفله ، ويرى الطريق التي شرعها شارع وقته وخاطبه بها ، ورأى جميع ما كان يفعله صاحب تلك النفس التي فكرت بنظرها قد حرّضها هذا الشارع عليه ، وحمده وقال به ، فأخذ به هذا المؤمن من حيث أن الشارع جاء به ، وعلق الهمة بربه الذي أوجده ، لما أعلمه الشارع أنه المنتهى ، فقال له
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
« وليس وراء اللّه مرمى » فجعله موضع غايته ، وسلك سلوك المفكر الباحث ، صاحب النظر العقلي لكن بالطريق الشرعي ، فصفت نفسه ، وصقلت مرآته ، وانتقش فيها صور العالم كله الروحاني ، وإلى حد الطبيعة التي دون النفس يصل أهل الفكر ، وما ينتقش فيهم مما فوقها إلا من يكون سلوكه على الطريق المشروع ، فإذا وصل هذا السالك على طريق الشرع ، انتقش فيه ما في اللوح المحفوظ ، ويرتفع بالطلب إلى الوجه الخاص به ، فيأخذ عن الحق أخذ إلهام ، وأخذ تجل ، وأخذ تنزيه ، وأخذ تشبيه ، ويعاين سريان الوجود في الممكنات ، فإذا نطق هذان الشخصان ، علم الكامل من الرجال الفرق بين الشخصين ، وعلم من أين أتي على كل واحد منهما ؟ ولماذا نقص السالك بفكره عن رتبة المتشرع ؟ فصاحب الفكر لا يزال أبدا منكوس الرأس ، منتظرا ما يأتيه به الإمداد الروحاني ، وصاحب الشرع لا يزال منكوس الرأس حياء من التجلي الإلهي في أوقات ، كما لا يزال شبه الحائر الواله المبهوت إذا رآه في كل شيء ، فلا ينطق إلا به ، ولا ينظر إلا إليه ، ولا يعلم أن ثمّ عينا سواه ، فيطلبه الملأ الأعلى والأرواح العلى والأفلاك الدائرة المتحركة والكواكب السابحة ، لتوصل إليه ما أمنت عليه مما يستحقه عليها ، فلا تجد من يأخذ عنها بطريق الاعتبار والأدب ، فتؤدي ذلك أداء ذاتيا ، وهو غائب بربه عن هذا كله ، فإذا رد إلى رؤية ذاته ، رأى في ذاته