بعض النفوس الفاضلة ، فأردنا أن نرفع الإشكال ، وذلك أن النفوس تصفو بالرياضة ، وترك الشهوات الطبيعية ، والاستغراق في الأمور المحسوسة ، وتتشوق إلى ما منه جاءت ، وما أريدت له ، وإلى أين مآلها وما رتبتها من العالم ، وعلمت من ذاتها أن وراء هذا الجسم أمرا آخر ، هو المحرك له والمدبر ، لما عاينت من الموت النازل به ، فتنظر إلى آلاته على كمالها ولا ترى له تلك الإدراكات التي كانت له في زمان وصفه بالحياة ، فعلمت أنه لابد من أمر آخر هناك ، لا تعرف نسبته إلى هذا الجسم ، هل نسبة العرض إلى محله ؟ أو المتمكن إلى مكانه ؟ أو الملك إلى ملكه ؟ ثم علمت أن بين الموت والنوم فرقانا ، بما تراه في النوم من الصور وما تستفيده من الأحوال الملذة والمؤلمة ، وسرعة التغير في صورة النائم من حال إلى حال ، ولم تر ذلك في صورة الجسم ، ثم تستيقظ فترى الجسم على حاله في صورته ما تغير ، وترى انفعال الجسم في بعض الأوقات لما يطرأ للنائم في حال نومه ، مثل دفق الماء في الاحتلام عند رؤية الجماع في النوم ، فعلمت بهذا كله أن وراء هذا الجسم أمرا آخر بينه وبين هذه الصورة علاقة ، ثم إنها رأت تفاوت الأمثال في العلوم والفهم وافتقار بعضها إلى التعليم ، ونظرت إلى حال من زهد وفكر واتخذ الخلوات ، ولم يأخذ من لذات المحسوسات إلا ما تمس إليه الحاجات ، مما به قوام هذا الجسم ، وأن صاحب هذا الحال يزيد على نفس أخرى بعلوم وفضائل ، يفتقر إليه فيها وفي العلم بها ، فنظرت في الطريق الذي أوصل تلك النفوس دون غيرها إلى هذا المقام ، فلم تر مانعا إلا انكباب بعض النفوس على تناول هذه المشتهيات الظاهرة الطبيعية والتنافس فيها ، فزهدت في ذلك كله ، وتحلت بمكارم الأخلاق ، ولم تترك لأحد عليها مطالبة ولا علاقة ، ولم تزاحمهم على ما هم عليه ، وجنحت إلى الخلوات ، ورفعت الهمة إلى الاستشراف لتعلم ما هو الأمر عليه ، فلما كانت بهذه المثابة ، وكل ذلك نظر منها ، ما هو عن تقليد شرعي إلهي ، وإنما هو فكرة صحيحة ، وإلهام إلهي ناقص غير كامل ، لأن الإلهام الأكمل أن يلهم لاتباع الشرع ، والنظر في كلامه ، وفي الكتب التي قيل إنها جاءت من عند اللّه . فمثل هذا هو الإلهام الأكمل ، فلما صفت هذه النفوس وشفت ، صارت مثل المرآة ، وزال عنها صدأ هذه الطبيعة ، انتقش فيها صور العالم ، فرأت ما لم تكن رأته ، فنطقت بالغيوب والتحقت بالملأ الأعلى التحاق غريب ورد على غير موطنه ، وهو موطنه ولكن ما عرف لغربته ، لما سافر إلى أرض طبيعته
الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 51
مساهمون: ابن عربي
ص٥١