تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
رجلا مقبلا أو على حالة ما ، وبينهما البعد المفرط والأجسام الكثيفة ، بحيث أن يراه بمكة ، أو يرى الكعبة وهو بأقصى المغرب ، وهذا كثير عند المريدين في أول أحوالهم ، ثم ينتقلون عن ذلك - إن كانوا من أهل العناية والاختصاص بالوراثة النبوية - إلى عالم الغيب الذي يدرك بعين البصيرة ، وليس بينه وبينها مسافة ولا بعد ولا قرب مفرط ، وحجابه الران والقفل والكن ، وقد ارتفعت بالمجاهدات فلاحت أعلام الغيوب ، غير أن بين نور البصر ونور البصيرة لطيفة معنى ، وذلك أن الحس يحجبه الجدار والبعد المفرط ، والقرب المفرط ، وعين البصيرة ليس كذلك ، لا يحجبه شيء إلا ما ذكرنا من الران والكن وأشباه ذلك ، لكن ثمّ أمرا تدركه ، وهو إن انجلت عين البصيرة ، فإن ثمّ حجابا آخر لطيفا إلهيا ، وهو أن النور الذي ينبسط من حضرة الجود على المغيبات - عالم الغيب - في الحضرات الوجودية لا يعمّها كلها ، إلا على قدر ما يريد اللّه تعالى أن يكشف لك منها ، مع أنك في غاية الصفاء والجلاء ، فلا ينبسط من هذا النور عليها في حق هذا المكاشف إلا على قدر ما يريد اللّه تعالى ، فإن الذي يكشف له ، ما يلزم أن يعم كشفه كل شيء ، لكن عنده استعداد الكشف لا غير ، فما جلّى له الحق من أسرار العالم في مرآة قلبه إن كان معنى ، أو في مرآة بصره إن كان صورة ، كشفه ورآه لا غير ، فليس من حقيقة الكشف أن يعلمه المكاشف في كل صورة ، بل ذلك على قدر ما يريده الحق ، فيستر عنه ما شاء ، ويطلعه على ما شاء ، فليس من شأن المكاشف نفوذ بصره في كل صورة تتجلى له . واعلم أن المكاشف يحكم بحسب الحضرة التي منها يكاشف ، فإنها تعطيه بذاتها ما هي عليه ، وهذا سبب اختلاف أهل الكشف ، فإن كل صاحب كشف أخبر عما رأى في كشفه في ذلك الوقت ، والمكاشف قد يطلع وقتا على الأمر من جميع جهاته ، وقد يطلع على بعض وجوهه ، ويستر اللّه عنه ما شاء من وجوه ذلك الأمر ، فيحكم المكاشف على الكل ، فيكون صحيح الكشف مخطئا في تعميم الحكم ، وصاحب الكشف قد يطرأ عليه خلل ، بكونه زاد على كشفه نوعا من التأويل بفكره ، فلم يقف مع كشفه ، كصاحب الرؤيا ، فإن كشفه صحيح وأخبر عما رأى ، ويقع الخطأ في التعبير لا في نفس ما رأى ، فالكشف لا يخطئ أبدا ، والمتكلم في مدلوله يخطئ ويصيب إلا أن يخبر عن اللّه في ذلك ، فيخبر كل واحد بما رآه ويصدق في إخباره ، وما يقع الخطأ في هذا الطريق من جهة الكشف ، ولكن