اتباعه ، فإنه طريق الشدة ، ليس للرخاء فيه مدخل ، لأن الرخص إنما هي للعامة ، لأنهم قنعوا بكونهم ينطلق عليهم اسم الإيمان خاصة ، مؤدين لما فرض اللّه عليهم دون زيادة ، ومن طلب الأنفس والزيادة على مرتبة العوام فلابد أن يذوق الشدائد في نيل ذلك ، فإنه من أراد أن يرى الدرّ في نحره ، فلابد أن يقاسي ظلمة بحره ، يجني روح الحياة عن سريانه ، فإن الغاطس في البحر لابد أن يمسك نفسه ، فتحقق ما ذكرناه ، وكان إمامنا أبو مدين يقول : ما للمريد والرخص ، قال اللّه تعالى
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
فأين أنت ؟ بعد الجهاد تتضح السبيل ، وعند ذلك يكون السلوك عليها ، وهو سفر ، والسفر قطعة من العذاب ، فإنه منتقل من عذاب إلى عذاب ، فلا راحة .
* ومن شرطه أن لا يقعد في مقام الشيخوخة إلا أن يقعده أستاذ ، أو يقعده ربه بما يلقي إليه في سره على الأمر المعهود له مع ربه في الأخذ عنه .
* ومن شرطه إذا تكلم في مسألة وقام إليه منازع فيها ، أن يقطع الكلام ، فإنه لا كلام لهم رضي اللّه عنهم بحضرة نفس المنازع ، لأن علومهم لا تقبل المنازعة ، لأنها وراثة نبوية ، وكان عليه الصلاة والسلام إذا تنوزع عنده يقول « عند نبي لا ينبغي تنازع » وذلك لأن المعارف الإلهية والإشارات اللطيفة الربانية خارجة عن مدارك العقول ، من كون العقول ناظرة لا من كونها قابلة « 1 » فلم يبق فيها إلا الكشف ، ومن أخبر عما عاين وشاهد لا يجوز للسامع النزاع في ما أتى به ، بل يجب عليه في حكم الطريق التصديق به إن كان مريدا ، والتسليم به إن كان أجنبيا ، فإن المريد إن لم يعتقد الصدق في ما يقوله الشيخ فمتى يفلح ؟ ومتى رأيت الشيخ ترك المريد يستدل عليه في المسائل بالأدلة الشرعية أو العقلية ، ولا يزجره ويهجره عليها فقد خانه في التربية ، فإن المريد لا ينبغي له الكلام إلا في ما شاهده وعاينه ، والصمت عليه واجب ، والفكر عليه حرام ، والنظر عليه في الأدلة محظور ، فكل شيخ ترك مريده على مثل هذه الحال فإنه غير مرشد له ، ساع في هلاكه ، مضاعف لحجابه ، مستعمل في طرده عن باب ربه ، والأولى بالشيخ إذا رأى المريد يجنح إلى استعمال عقله في النظريات ولا يرجع إلى رأيه فيما يدله عليه فليطرده عن منزله ، فإنه يفسد عليه بقية أصحابه ، ولا يفلح هو في نفسه ، فإن المريدين عرائس اللّه ، حور مقصورات في الخيام ،
هامش
( 1 ) العقل بين النظر والقبول - ف ح 1 / 261 .