تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
اعلم أن مقام الشيخوخة ليس هو الغاية ، فإن الشيخ أيضا طالب من ربه ما ليس عنده ، فإن اللّه يقول لنبيه عليه السلام
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
فصفة الأستاذ أن يكون عارفا بالخواطر النفسية والشيطانية والملكية والربانية ، عارفا بالأصل الذي تنبعث منه هذه الخواطر ، عارفا بحركاتها الظاهرة ، عارفا بالأدوية وأعيانها ، عارفا بالأزمنة التي تحمل المريد فيها على استعمالها ، عارفا بالأمزجة ، عارفا بالعوائق والعلائق الخارجة ، مثل الوالدين والأولاد والأهل والسلطان ، عارفا بسياستهم ، وبجذبه المريد صاحب العلة من أيديهم ، هذا كله إذا كان المريد له رغبة في طريق اللّه ، وإن لم يكن له رغبة فلا ينفع . * ومن شرط الشيخ أن لا يترك المريد يبرح من منزله البتة إلا بإذنه لحاجة يوجهه فيها . * ومن شرطه ، أن يعاقب المريد على كل هفوة تصدر منه ، ولا سبيل إلى الصفح عنه في زلة ، فإن فعل فلم يعرف حق المقام الذي هو فيه ، فهو إمام غاش لرعيته ، غير قائم لحرمة ربه ، فإن النبي عليه السلام يقول : - من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه الحد . * ومن ذلك أن يشترط على المريد أن لا يكتمه شيئا مما يخطر له في نفسه ، وما يطرأ عليه في حاله ، ومتى ما لم يكن الطبيب يميز أعيان الأعشاب والعقاقير ، عارفا بتركيب الأدوية ، فإنه مهلك للمريض ، فإن العلم من غير العين لا يفيد ، فلا بد من عين اليقين وحينئذ ، ألا ترى لو كان للعشاب غرض في إهلاك المريض ، فإذا وصف الطبيب الدواء من جهة كونه عالما به وهو لا يعرف شخص الدواء . فأعطاه العشاب ما فيه هلاك العليل ويقول : هذا مطلوبك ، فيسقيه الطبيب المريض فيهلك ، وإثمه في عنق الطبيب والعشاب ، فإن الطبيب كان الواجب عليه أن لا يداويه إلا بما يعرف عينه وشخصه ، فكذلك الشيخ إذا لم يكن صاحب ذوق وأخذ الطريق من الكتب وأفواه الرجال ، وقعد يربي به المريد طلبا للمرتبة والرئاسة ، فإنه مهلك لمن تبعه ، لأنه لا يعرف مورد الطالب ولا مصدره ، فلا بد أن يكون عند الشيخ دين الأنبياء ، وتدبير الأطباء ، وسياسة الملوك ، وحينئذ يقال له أستاذ . * ويجب على الشيخ أن لا يقبل مريدا حتى يختبره . * ومن شرطه أن يحاسب المريد على أنفاسه وحركاته ، ويضيق عليه على قدر صدقه في