تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
واستقلاله واستعداده ، وغرضي في هذه العجالة أن أبين مقام الشيخوخة ولوازمها ، ومقام المريد ولوازمه ، وما ينبغي أن يتعامل به أهل طريق اللّه ، ويعاملوا به طريق اللّه تعالى ، ولهذا سميتها « الأمر المحكم المربوط في ما يلزم أهل طريق اللّه تعالى من الشروط » فإن الزمان مشحون بالدعاوى الكاذبة العريضة ، فلا مريد صادق ثابت القدم في سلوكه ، ولا شيخ محقق ينصحه ، فيخرجه من رعونة نفسه ، وإعجابه برأيه ، ويعرب له عن طريق الحق ، فالمريد يدعي الشيخوخة والرئاسة ، وهذا كله تخبيط وتلبيس . واعلم أن مقام الدعوة إلى اللّه ، وهو مقام النبوة والوراثة الكاملة ، والحاصل فيه يقال له النبي في زمان النبوة ، ويقال له الشيخ والوارث والأستاذ في حق العلماء باللّه من غير أن يكونوا أنبياء ، وهو الذي قال فيه السادة من أهل طريق اللّه « من لم يكن له أستاذ فإن الشيطان أستاذه » وإن جبريل عليه السلام هو أستاذ النبي عليه السلام ، ولقد خرّج الهروي رحمه اللّه في كتاب « درجات التائبين » له ، وهو روايتي عن الشريف جمال الدين يونس بن يحيى بن أبي الحسن من ذرية العباس بن عبد المطلب ، حدثني به قراءة مني عليه بالحرم الشريف تجاه الركن اليماني من الكعبة المعظمة سنة تسع وتسعين وخمسمائة ، قال : حدثنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي قال : حدثنا عبد الأعلى بن عبد الواحد المليحي عنه « أن اللّه تعالى أنزل ملكا على رسول اللّه عليه السلام وعنده جبرائيل عليه السلام ، فقال له : - يا محمد إن اللّه خيرك إن شئت نبيا عبدا وإن شئت ملكا نبيا ، فأومأ إليه جبرائيل عليه السلام أن تواضع ، فقال عليه السلام : نبيا عبدا » وغرضنا من هذا الحديث تعليم جبرائيل النبي عليه السلام ، وأنه اختار ما اختاره له ، فقام جبرائيل هنا مقام الشيخ المعلم ، ومقام محمد عليه السلام مقام المتعلم ، ومن هذا الباب قول اللّه تعالى :
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ
وقوله تعالى
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
وقوله عليه السلام : - « إن اللّه أدبني فأحسن أدبي » فلابد من مؤدب وهو الأستاذ ، فإن هذا الطريق لما كان في غاية الشرف والعزة ، حفت به الآفات والقواطع والأمور المهلكة من كل جانب ، فلا يسلكه إلا شجاع مقدام ، ويكون معه دليل علام ، وحينئذ تقع الفائدة ، فعلى الشيخ أن يوفي حق مرتبته ، وعلى المريد أن يوفي حق طريقته .