إلا أن تنقذ أخاك من النار إلى الجنة ، وتنقله من الجهل إلى العلم ، ومن الذم إلى الحمد ، ومن النقص إلى الكمال ، فإنه لا يكمل عبد الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، على ما ذكره مسلم في مسنده « والمؤمنون يد واحدة على من سواهم ، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا » فاعلم أن المؤمن بهذا الحكم يجب عليه نصحهم وإنباههم من الغفلة ، وايقاظهم من نومة الجهالة ، وإنقاذهم من شقاء الحفرة النارية التي هم عليها ، غير أن المؤمنين انقسموا على مراتب كثيرة ، من جملتها مرتبة تسمى التصوف أخذتها طائفة تسمى الصوفية ، آثروا الآخرة على الدنيا ، واختاروا الحق على الخلق ، وما من طائفة في مرتبة إلا وهي في تلك المرتبة على حالين : - صادقة ذات حقيقة ، ومدّعية لا حقيقة عندها ، فقرابة كل طائفة من كانت معها على طريقة واحدة ، إما بالصورة وهم المدّعون الذين لا حقيقة عندهم ، وإما بالصورة والمعنى وهم المحققون ، فتعين علينا لكونهم من الأقربين أن ننذرهم ، ولكونهم من المسلمين أن ننصحهم ، ولكونهم في مقام الأخوة أن نشفق عليهم .
واعلم أن هذا الطريق ، أعني طريق اللّه ، الذي هو الصراط المستقيم هو أجلّ الطرق وأسناها ، لأن الطرق تتشرف وتتضع بحسب غايتها ، ولما كان هذا الطريق غاية الحق سبحانه ، والحق أشرف الموجودات وأعز المعلومات ، لا إله إلا هو ، كان الطريق إليه أشرف الطرق وأفضلها ، والدال عليه سيد الأدلاء وأكملهم وأعظمهم ، والسالك عليه أسعد السالكين وأنجاهم ، فينبغي للعاقل أن لا يسلك من الطرق سواه ، لارتباطه بسعادته الأبدية .
واعلم أن أهل طريق اللّه شخصان : صادق وصدّيق ، أعني : - تابعا ومتبوعا ، فالتابع هو المريد والسالك والتلميذ ، والمتبوع هو الشيخ والأستاذ والمعلم ، وسواء كان هذا الرجل متبوعا أو لم يكن ، وإنما المعنى تأهله للشيخوخة والإرشاد ، لتمكنه في ذلك المقام
هامش
- سبحانه الذي لا يبعد إلا بعد تنزيه ، وتنقطع الأرحام بالموت ، ولا ينقطع الرحم المنسوبة إلى الحق ، فإنه معنا حيثما كنا ، ونحن ما بيننا نتصل في وقت وتنقطع في وقت ، بموت أو فقد وارتحال ، فالأقربون أولى بالمعروف وهو الحق ، لصحة النسب وقربه .
ف ح 1 / 244 ، 574 - ح 3 / 532 - ح 4 / 416 .
راجع كتابنا شرح كلمات الصوفية ص 318 .