تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
تلك الصورة الممثلة ذلك الأمر ، وسأل اللّه أن يبقي ذلك عليه ، فحصلت نفس ذلك الميت في ذلك المقام على أتم وجوهه ، منة من اللّه وفضلا ، وهذا مذهب شيخنا أبي يعقوب يوسف بن يخلف الكومي ، ومن أهل اللّه من يقول : لا يقوم أحد عن أحد في العمل ، ولكن يطلب له بهمته ودعائه ، والجماعة على ذلك ، وهذا الأول نادر الوقوع . أما قول المريد عند الموت للشيخ اجعلني في همتك ، واجعل لي نصيبا في عملك ، عسى اللّه أن يعطيني ما كان في أملي ، هذا إذا فعله المريد كان سوء أدب مع الشيخ ، حيث استخدمه في حق نفسه ، وتهمة منه للشيخ في نسيان حق المريد ، والطريق يقتضي أن الشيخ لا ينسى أهل زمانه ، فكيف مريده المختص بخدمته ، فإن من فتوة أهل هذا الطريق ومعرفتهم بالنفوس ، أنهم إذا كان يوم القيامة وظهر ما لهم من الجاه عند اللّه ، خاف منهم من آذاهم هنا في الدنيا ، فأول ما يشفعون يوم القيامة فيمن آذاهم قبل المؤاخذة ، وهذا نص أبي يزيد البسطامي ، وهو مذهبنا ، فإن الذين أحسنوا إليهم يكفيهم عين إحسانهم ، فهم بإحسانهم شفعاء أنفسهم عند اللّه بما قدموه من الخير في حق هذا الولي ، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ، ومن عفا وأصلح فأجره على اللّه ، وذلك للعافين عن الناس ، بل الولي لا ينسى من يعرف الشيخ وإن كان الشيخ لا يعرفه ، فيسأل اللّه تعالى أن يغفر ويعفو عمن سمع بذكره ، فسبه وذمه ، أو أثنى عليه خيرا ، وهذا ذقته من نفسي وأعطانيه ربي بحمد اللّه ، ووعدني بالشفاعة يوم القيامة فيمن أدركه بصري ممن أعرف ومن لا أعرف ، وعيّن لي هذا المشهد حتى عاينته ذوقا صحيحا لا أشك فيه ، وهذا مذهب شيخنا أيضا أبي إسحق بن طريف وهو من أكبر من لقيته ، ولقد سمعت هذا الشيخ يوما وأنا عنده بمنزله بالجزيرة الخضراء سنة تسع وثمانين وخمسمائة ، وقال لي : يا أخي واللّه ما أرى الناس في حقي إلا أولياء عن آخرهم ممن يعرفني ، قلت له : كيف تقول يا أبا إسحق ؟ فقال : إن الناس الذين رأوني أو سمعوا بي ، إما أن يقولوا في حقي خيرا ، أو يقولوا ضد ذلك ، فمن قال في حقي خيرا وأثنى عليّ فما وصفني إلا بصفته ، فلولا ما هو أهل ومحل لتلك الصفة ما وصفني بها ، فهذا عندي من أولياء اللّه تعالى ، ومن قال فيّ شرا فهو عندي وليّ أطلعه اللّه على حالي ، فإنه صاحب فراسة وكشف ناظر بنور اللّه ، فهو عندي ولي ، فلا أرى يا أخي إلا وليا للّه . ( ف ح 1 / 616 )