تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
عني ما سألته عنه ، فنقص من خلوص مودته التي كانت له في نفسه ، ولو حصلت له تهمة في نفسه تؤديه إلى مثل هذا الفعل ، فليس له ذلك شرعا ولا عقلا ولا مروءة ، وهذا باب قل أن يقع إلا من خبيث الباطن ، لا دين له ، سيّىء السريرة ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » . ومن أمراض الأقوال : الامتنان والتحدث بما يفعله من الخير مع الشخص على طريق المن ، والمن الأذى ، دواؤه ، لما كان يسوءه ذلك ، ويحبط أجر رب النعمة ، فإن اللّه تعالى قد أبطل ذلك العمل بقوله « لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى » وأي أذى أعظم من المن ، فإنه أذى نفسي ، ودواؤه أنه لا يرى أنه قد أوصل إليه مما كان في يديه إلا ما هو له في علم اللّه ، وأن ذلك الخير إنما كان أمانة بيده ، ما كان له ، لكنه لم يكن يعرف صاحبها ، فلما أخرجها بالعطاء لمن عين اللّه في نفس الأمر ، حينئذ يعرف صاحب تلك الأمانة ، فشكر اللّه على أدائها ، ومن أعطي هذا النظر فلا تصح منه منّة أصلا . ومن أمراض الأقوال أيضا أن يفعل الرجل الخير مع بعض أولاده لأمر في نفسه ، وبعض أولاده ما فعل معهم ذلك الخير ، فيقول له قائل بحضور من لم يفعل معه ذلك من أولاده : لم لم تفعل مثل ذلك مع هذا الولد الآخر ؟ فهذا من فضول الكلام ، حيث قاله بحضور ولده ، . ويثمر في نفس الولد عداوة لأبيه ، ولا يقع مثل هذا إلا من جاهل كثير الفضول : فإنها كلمة شيطانية ، وليس لها دواء بعد وقوعها ، وأما قبل وقوعها فدواؤها أن ينظر في قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » . ومن أمراض الأقوال أيضا ، أن يقول الإنسان : أنا أقول الحق ولا أبالي عز على السامع ذلك ، أو لم يعز عليه ، من غير أن ينظر إلى فضول القول ومواطنه ، ثم يقول : قلت لفلان الحق وعز عليه سماعه ، ويزكي نفسه ، ويجرح غيره ، وينسى قوله تعالى
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ
ولها مواطن وصفة مخصوصة ، وهو أن يأمره في السر لا في الجهر ، فإن الجهر علة لا يشعر بها ، لأنه قد يعطيها لغير اللّه ، ثم قال
أَوْ مَعْرُوفٍ
وقول المعروف هو القول في موطنه الذي عينه اللّه ، ويرجو حصول الفائدة به في حق السامع ، فهذا معنى
أَوْ مَعْرُوفٍ
فمن لم يفعل فهو جاهل وإن ادعى العلم ، ثم قال :
أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ
فيعلم أن مراد اللّه التوادد والتحابب ، فيسعى في ذلك ،
الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 34 | ابن عربي / محمود محمود الغراب