وإن لم يجعل الكلام في موضعه أدى ذلك إلى التقاطع والتنافر والتدابر ، ثم بعد هذا كله قال في حق المتكلم
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ
ولا يكون ذلك إلا ممن يعلم ما يرضي اللّه ، ولا يعلم ما يرضي اللّه إلا بالعلم بما شرع اللّه في كتابه وعلى لسان رسوله ، فيرى عندما يريد أن ينطق بالأمر هل نطقه به في ذلك الموطن يرضي اللّه من جميع الوجوه ؟
فإن وجد وجها يقدح فيه فالكل غير مقبول ، وغير مرضيّ عند اللّه ، فإنه لا يحتمل التجزي والانقسام ، وهذا موضع غلط ، ودواؤه ما قلنا من العمل المشروع والعلم بما يرضي اللّه .
ومن أمراض الأقوال أيضا : تغيير المنكر على شخص معين ، من سلطان وغيره ، دون أن يعم ، دواؤه معرفة الميزان في ذلك ، وبراءته في نفسه من كل منكر يعلم أن الشرع ينكره عليه في مذهبه واجتهاده لا غير ، ولا يلزمه ما هو عنده غير منكر وعنده مباح ، ثم الذي هو عنده منكر ينظر إلى من يغيّر عليه ذلك ، إن كان ممن هو عنده معروف - كالنبيذ عند الحنفي المتخذ من التمر إذا رآه يشربه أو يتوضأ به - وهو عنده حرام ، فلا يغيره إلا على من يعتقد تحريمه خاصة ، أو يكون من المنكر المجمع عليه ، فهذا هو الميزان .
وتفاريع الأقوال كثيرة ، وحصر عللها وأدويتها في أمرين ، الواحد أن تتكلم إذا اشتهيت أن تسكت ، وتسكت إذا اشتهيت أن تتكلم ، والأمر الآخر أن لا تتكلم إلا فيما إن سكت عنه كنت عاصيا ، وإن لم فلا ، وإياك والكلام عندما تستحسن كلامك وتستحليه ، فإن الكلام في ذلك الوقت من أكبر الأمراض ، وما له دواء إلا الصمت لا غير ، إلا أن تشهد على رفع الستر ، هذا هو الضابط .
وأما أمراض الأفعال : فهو أن يكون أداؤك لذلك الفعل الذي هو عبادة ، كالصلاة مثلا في الملأ أحسن من أدائك في السر ، يقول صلّى اللّه عليه وسلّم ، في مثل هذه الفعلة : تلك استهانة استهان بها ربه ، في رجل حسّن صلاته في الملأ وأساءها في الخلوة ، وهذا من أصعب الأمراض النفسية ، ودواؤه
أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى
و
يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
« واللّه أحق أن يستحى منه » وأمثال هذه الآيات والأخبار ، ولهذا دواء آخر ولكن يغمض تركيبه ، وهو أن ينوي بتحسينه تعليم الجاهل ، وتذكرة الغافل .
ومن الأمراض الفعلية أيضا ترك العمل من أجل الناس ، وهو الرياء عند الجماعة ،