تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
فقد تصدق وتخطىء ، بحسب قوة التصوير وحفظ أجزاء الصورة ، وكل أول فهو إلهي صادق ، فإذا أخطأ فليس بأول ، وإنما ذلك حكم الصورة التي وجدت في المرتبة الثانية ، فما يمر من هؤلاء السفرة الكرام البررة على هذه الطرق المعينة لهذا القلب ، يلقى من هو عليه من ملك وشيطان ونفس ، فيأخذه من بادر إليه من هؤلاء بالتلقي ، فإن أخذه الملك ، وهو مما يقتضي وجود عمل سعادي ، أوحي إليه الملك في سره اعمل كذا وكذا ، فيقول له الشيطان : لا تعمله وأخره إلى وقت كذا ، طمعا منه في أن لا يقع منه ما يؤدي إلى سعادته ، وهو ما يجده الإنسان من التردد في فعل الخير وتركه ، وفي فعل الشر وتركه ، وكذا إذا جاءه على طريق الإباحة فذلك التردد في فعل المباح وتركه إنما هو بين النفس والشيطان ، لا بين الملك والشيطان ، فإن لمة الملك ولمة الشيطان المقابلة إنما تكون في الأربعة الطرق من الأحكام ، وأما في المباح فلمة الشيطان خاصة وما له منازع إلا النفس ، وإنما كان للنفس المباح دون غيره لأنها جبلت على جلب المنافع ودفع المضار ، والأمر أبدا يتقدم النهي في لمة الملك والشيطان ، فصاحب الأمر في الشر هو الشيطان ، فله التقدم ، وصاحب الأمر في الخير إنما هو الملك ، وله التقدم ، فلا يرد نهي إلا بعد أمر ، ولا عكس في مثل هذا في هذه الحضرة . وتختلف آثار الخواطر في النفس باختلاف من يتعرض لها في طريقها ، فإن لم يتعرض لها أحد ممن ذكرنا ، فذلك خاطر العلم ، لا يكون خاطر عمل البتة ، وهو الخاطر الرباني ، وخواطر الأعمال تكون ملكية وشيطانية ونفسية ، لا غير ذلك ،
فَأَلْهَمَها فُجُورَها
عملا أو تركا لمجيئه على يد شيطان ،
وَتَقْواها
عملا أو تركا لمجيئه على يد ملك ، فمن راقب خواطره من طرقها فقد أفلح ، فإنه يعلم من يأخذها ومن يتعرض إليها من القاعدين لها كل مرصد ، ومن غفل عن طرقها وما شعر بها حتى وجدها في المحل كما تجدها العامة ، عمل بمقتضاها ، وهو عمل الجاهل بالشيء ، فإن كان خيرا فبحكم المصادفة ، وإن كان شرا فكذلك ، لأن الخاطر الأول الذي أتاه بالعلم بمن يأتي بعده من الخواطر ، وعلى يد من يأتيه ، لم يشعر به ولا علمه ولا شاهده ، ففاته حكمه ، فلما فجئته هذه الخواطر العملية على حين غفلة وعدم تيقظ ومراقبة لطرقها عمل بمقتضاها ، فكان خيره وشره مصادفة . والخواطر كلها خطابات إلهية ما هي تجليات ، ولهذا ينشئها اللّه صورا تحدث في العماء
الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 31 | ابن عربي / محمود محمود الغراب