تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
إن القلب - على خلاف بين أهل الحقائق والمكاشفات - كالمرآة المستديرة ، لها ستة أوجه ، وقال بعضهم ثمانية ، هذا محل الخلاف ، ولولا التطويل وخروجنا عما أردناه من الاختصار لأزلنا الخلاف ، وبيّنا وجه الجمع بين هذين المقامين بأدلة قاطعة ، ولا يلتفت إلى من زاد وجها تاسعا ، لأن الحكمة الإلهية منعت من ذلك ، وإلا في الإمكان أن يوجد لها من الوجوه ما لا يتناهي ، إذ صفات الجلال لا تحصى ، وقد جعل اللّه في مقابلة كل وجه من وجوه القلب حضرة من أمهات الحضرات الإلهية تقابله ، فمتى جلى وجه من هذه الوجوه ، تجلت تلك الحضرة فيه ، فإذا أراد سبحانه أن يمنح عبده من هذه العلوم شيئا ، تولى سبحانه بتوفيقه مرآة قلبه ، فنظرها بعين اللطف والتوفيق ، وأمدها ببحر التأييد ، فاهتدى ذلك الموفق للرياضات والمجاهدات ، ووجد الإرادة والمحبة في قلبه ، فبادرت الجوارح بالطاعة للقلب ، إذ هو مالكها وسيدها ، فاستعمل الأذكار ، وعلق الهمة ، وتخلق بأخلاق اللّه ، وغسل قلبه بماء المراقبة ، حتى ينجلي عن القلب صدأ الأغيار ، وتتجلى فيه حضائر الأسرار . فالوجه الأول ينظر إلى حضرة الأحكام ، وصقالة ذلك الوجه بالمجاهدات . والوجه الثاني ينظر إلى حضرة الاختيار والتدبير ، وصقالة ذلك الوجه بالتسليم والتفويض . والوجه الثالث ينظر إلى حضرة الإبداع ، وصقالة ذلك الوجه بالفكر والاعتبار . والوجه الرابع ينظر إلى الخطاب ، وصقالته بخلع الأكوان . والوجه الخامس ينظر إلى حضرة الحياة ، وصقالته بالتبري والفناء . والوجه السادس وهو الثامن - عند من أثبتها ثمانية - ينظر إلى حضرة ما لا يقال ، وصقالته ب
يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ
« 1 » . وأما الوجهان اللذان هما محل الخلاف ، فأهل الستة صرفوهما إلى حضرة الأحكام ، وغيرهم قال : إن أحدهما ينظر إلى المشاهدة وصقالته ببيع النفس ، والآخر ينظر إلى حضرة السماع وصقالته بالصمت والأدب ، وليس ثم وجه تاسع ، ولا كشف لها سبحانه حضرة زائدة على هذه الثمانية ، فكانت تجهلها ، إذ ليس لها وجه يتجلى فيه للحكمة الإلهية التي
هامش
( 1 ) راجع ف ح 4 / 386 - كتاب ذخائر الأعلاق .