غيره ، واجتمعت مع شيخ يدعى فيهم شيخ الشيوخ بأربيل ، هكذا قال لي بنفسه ، ورأيته يعطي النصف من نفسه للمتكلم معه رضي اللّه عنه ، فزعم أنه ليس للّه في الغرب من يعرف الطريق إلى اللّه ولا يتعرفه ، فأراد وليك أن لا يشافهه بخطاب ولا يتعرض إليه ، ثم رأيت ذلك قاصمة الظهر ، وقارعة الدهر ، فأبدينا له بسيرا مما وهبك اللّه من الأسرار ، ثم أعقبناه ببعض أحوال سيدنا أبي مدين خلاصة الأبرار ، فبقي مبهوتا بما سمع وقال : ما تخيلت أن يكون مثل هذا في بلاد المغرب ، ثم ألقى عليه بعض أصحابنا مسألة من الحقائق الإلهية المتوجهة على إيجاد جهنم ، فو اللّه ما زاد على أن قال : لا أدري شيئا ، وأنصف من نفسه واعترف بنقصه ، وهدأت شقاشقه ، وطفئت بوارقه ، فقلت له : هذا حالك معي وأنا أنقص حظا ، وأحقر قدرا من أن أذكر فيهم ، أو أنسب إليهم ، فكيف بك لولا حظت الكبراء والسادة النبلاء ؟ الكائنين بالمغرب الغرباء ؟ فسلم واستسلم ، وحمدت اللّه على ما ألهم وعلم .
ونراه رضي اللّه عنه يقول في موطن آخر :
المسخ في القلوب اليوم كثير ، وكان في بني إسرائيل ظاهرا حين جعلهم اللّه قردة وخنازير ، والمدّعون الذين يفترون على اللّه الكذب في زماننا منهم كثير ، وإرداف النعم مع المخالفة موجود اليوم كثير في المنتمين إلى طريق اللّه ، وعاينت من الممكور بهم خلقا كثيرا لا يحصي عددهم إلا اللّه ، وهو أمر عام ، وأما إبقاء الحال مع سوء الأدب فهو في أصحاب الهمم ، وهم قليلون ، على أنّا رأينا منهم جماعة بالمغرب وبهذه البلاد ، وهم أنهم يسيئون الأدب مع الحق بالخروج عن مراسمه مع بقاء الحالة المؤثرة في العالم عليهم ، مكرا من اللّه ، فيتخيلون أنهم لو لم يكونوا على حق في ذلك لتغير عليهم الحال ، نعوذ باللّه من مكره الخفي ، وأصحاب الدعاوي في هذه الطريقة كالمنافقين في المسلمين ، فإنهم شاركوهم في الصورة الظاهرة وبانوا بالبواطن .
( روح القدس - ف ح 2 / 553 ، 302 ، 530 ، 602 )
الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 205
مساهمون: ابن عربي
ص٢٠٥