فشجعوه ، أو آيس من فضلي فعدوه ، أو راج لإحساني فبشروه ، أو حسن الظن بي فباسطوه ، أو محب لي فواطئوه ، أو معظّم لقدري فعظموه ، أو مسيء بعد إحسان فعاتبوه ، أو مسترشد نحوي فأرشدوه ، إلى آخر القصة على حسب ما ذكرناه في كتاب البغية لنا مستوفى ، فهذه أحوال العارفين يا ولي ، وهكذا تكون عمارة القلوب .
وأما أهل زمانك ، فو اللّه لو أطلعت عليهم لرأيت إن نظرت إلى وجوههم عيونا جامدة ، متحركة غير هامدة ، وإن نظرت إلى نفوسهم رأيت نفوسا سامدة ، وإن نظرت إلى قلوبهم رأيت قلوبا لاهية ، من العمارة العلوية والقدسية خالية ، على عروشها خاوية ، آجاما لأسود ضارية ، ومرابض لذئاب عاوية ، فسل اللّه تعالى عند رؤيتهم العافية ، أين هم يا ولي من قوم وصفهم أبو الفيض رحمه اللّه تعالى حيث قال : إن للّه لصفوة من خلقه ، وإن للّه لخيرة ، قيل له : يا أبا الفيض ما علامتهم ؟ قال : إذا خلع العبد الراحة ، وأعطى المجهود في الطاعة ، وأحب سقوط المنزلة ، ثم قال :
منع القرآن بوعده ووعيده * مقل العيون بليلها أن تهجع
فهموا عن الملك الكريم كلامه * فهما تذل له الرقاب وتخضع
فقال له بعض من كان في مجلسه : من هؤلاء القوم يا أبا الفيض رحمك اللّه ؟ قال :
ويحك ، هؤلاء قوم جعلوا الركب لجباههم وسادا ، والتراب لجنوبهم مهادا ، هؤلاء قوم خالط القرآن لحومهم ودماءهم ، فعزلهم عن الأزواج ، وحركهم بالإدلاج ، فوضعوه على أفئدتهم فانسرحت ، وضموه إلى صدورهم فانشرحت ، وتصدعت هممهم به فكدحت ، فجعلوه لظلمتهم سراجا ، ولسبيلهم منهاجا ، ولحجتهم إفلاجا ، يفرح الناس ويحزنون ، وينام الناس ويسهرون ، ويفطر الناس ويصومون ، ويأمن الناس ويخافون ، فهم خائفون حذرون وجلون مشفقون مشمرون ، يبادرون من الفوت ، ويستعدون للموت ؛ إلى آخر القصة . . . فهذا وصفه لأولياء اللّه ، وبهذا حلاهم ، وهكذا شهدهم ورآهم ، ولقد لقيت بهذه البلاد من يلبس سراويل الفتيان ، ولا يستحي في ذلك من الرحمن ، لا يعرف شروط السنن والفرائض ، ولا يصلح أن يكون خديما في المراحض ، ومع هذا يا وليي ، فهم واللّه الصدف الذي يخفي رفيع الدرر ، والسياج على الروضة اليانعة ذات الزهر ، يدخل بينهم الصادق والصديق ، فيجهل ، والعارف المتمكن فيترك ويهمل ، فإنه يحمل ما هم عليه لاشتراكهم في المسكن ، وما بينه وبينهم معاملة في شيء ، ولقد وقع بيدي منهم بمصر في الخانقاه بالقاهرة ، كهل يقرب أن يكون رجلا لا بأس به ، ففرحت به لما لم أجد