سبقت بالإرادة القديمة ، وهنا موضوع نزاع بين الأشعرية والصوفية دقيق . لا يتفطن له إلا صاحب ذوق ، ثم لتعلم أن لهذه الحضرات أبوابا في مقابلة ما على وجه المرآة من الصدأ ، تسمى أبواب المشيئة ، فعلى قدر ما تكون الصقالة يكون التجلي ، وعلى قدر ما يفتح من الأبواب يكون الكشف ، فليس كل مرآة مجلوة يكشف لها ، لكنها معدة لقبول الصور ، كذلك ليس كل من سلك هذا الطريق يكشف له ، قد يدخر له إلى يوم القيامة ، أعني قيامته ، كما تدخر المرآة المحسوسة ليوم ما ، وإلا لأي معنى صقلت ؟ أو لأي فائدة وجدت ؟ لكن يلوح لها بوارق من المطلوب ، وإن كان لا تخلو عن صورة ، وإن لم تكن صورا مخصوصة انفردت بها مرآة أهل الحقائق ، فإذا رقيت إلى هذه المنازل ، واطلعت على هذه المقامات ، صارت الغيوب مشاهدة في حقك ، أعني غيوب ما بطن من ظاهر علوم الدين ، لا من مجيء فلان ، وزنى فلان ، فإن تلك مكاشفات السالكين ، وإن تشوش عليك خاطرك ، ولم ترزق الإيمان بهذا المقام ، فقد أجرى اللّه لك في ظاهر الكون مثالا ، ترتقي به إلى ما ذكرناه ، وهي المرآة المحسوسة « 1 » ، تتجلى فيها صور المحسوسات على قدر صقالتها وجلائها ، وقد نبه على ذلك سيد البشر حيث قال : إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد ، قيل : فما جلاؤها ؟ قال : ذكر اللّه وتلاوة القرآن ؛ فقديما نصبت الأمثال أدلة لعلوم ربانية ، فمن وقف مع المثال ضل ، ومن ارتقى عنه إلى الحقيقة اهتدى ، ثم لتعلم أن لهذه الحضرات أسرارا ظاهرة وأسرارا باطنة ، فالظاهرة لأهل الاستدراج ، والباطنة لأهل الحقائق ، فليس كل حكيم حكيما ، بل الحكيم من حكمته الحكمة ، وقيدته بالوقوف عند فصل الخطاب ، ومنعته أن ينظر إلى سوى خالقه ، ولازم المراقبة على كل أحيانه ، فليس من نطق بالحكمة ولم تظهر آثارها عليه يسمى حكيما ، فالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : قد قال : رب حامل فقه ليس بفقيه ؛ إنما هي أمانة عنده يؤديها إلى غيره ، كمثل الحمار يحمل أسفارا ، فإذا صدرت منك حكمة فانظرها في نفسك ، فإن كنت قد تحليت بها فأنت صاحبها ، وإن رأيت نفسك عارية عنها فأنت لها حامل ومسؤول عنها ، وتحقيق هذا أن تنظر إلى استقامتك على الطريق الأوضح ، والميهع السديد ، والميزان الأرجح ، في قولك وفعلك وقلبك ، إذ الناس في الاستقامة سبعة أقسام : قسمان لهما الفضل ، والخمسة عليهم الدرك ، فمستقيم
هامش
( 1 ) راجع ف ح 3 / 46 ، 80 ، 352 - ح 4 / 316 .