تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
وتفاصيل هذا المقام ، وحكم الطائفة فيه ، استوفيناه في رسالة الأخلاق التي كتبنا بها للفخر محمد بن عمر بن خطيب الري رحمه اللّه ، فلنذكر منها في هذا الباب الأصل الذي ينبغي أن يعول عليه ، وذلك أنه ليس في وسع الإنسان أن يسع العالم بمكارم أخلاقه ، إذ كان العالم كله واقفا مع غرضه أو إرادته ، لا مع ما ينبغي ، والأغراض متضادة . . . فلما رأينا أن الأمر على هذا الحد ، وأنه لا يعم ، ولا يتمكن عقلا أن يقوم الإنسان في هذه الدنيا أو حيث كان في مقام يرضي المتضادين ، انبغى للفتى أن يترك هوى نفسه ، ويرجع إلى خالقه الذي هو مولاه وسيده ، ويقول : أنا عبد ، وينبغي للعبد أن يكون بحكم سيده ، لا بحكم نفسه ولا بحكم غير سيده ، يتبع مراضيه ، ويقف عند حدوده ومراسمه ، ولا يكن ممن جعل مع سيده شريكا في عبوديته ، فيكون مع سيده بحسب ما يحد له ، ويتصرف فيما يرسم له ، ولا يبالي وافق أغراض العالم أو خالفهم ، فإن وافق ما وافق منها فذلك راجع إلى سيده ، فخرج له توقيع من ديوان سيده ، على يدي رسول قام الدليل له والعلم بأنه خرج إليه من عند سيده ، وأن ذلك التوقيع توقيع سيده ، فقام له إجلالا ، وأخذ توقيع سيده ، ومع التوقيع مشافهة ، فشافه العبيد بما أمره السيد أن يشافههم به ، وذلك هو الشرع المقرر ، والتوقيع هو الكتاب المنزل المسمى قرآنا ، والرسول هو جبريل عليه السلام ، وحاجب الباب الذي يصل إليه الرسول الملكي من عند اللّه بالتوقيع والمشافهة هو النبي المبشر محمد صلى اللّه عليه وسلم ، أو أي نبي كان من الأنبياء في زمان بعثتهم ، فلزم العبيد مراسيم سيدهم التي ضمنها توقيعه ، والتي جاءت بها المشافهة ، فلم يكن لهم في نفوسهم ملك ولا تدبير ، فمن وقف عند حدود سيده وامتثل مراسمه ، ولم يخالفه في شيء مما جاء به على حد ما رسم له ، من غير زيادة بقياس أو رأي ، ولا نقصان بتأويل ، فعامل جنسه من الناس بما أمر أن يعاملهم به من مؤمن وكافر وعاص ومنافق ، وما ثمّ إلا هؤلاء الأصناف الأربعة ، وكل صنف من هؤلاء على طبقات . . . فهذا الواقف عند مراسيم سيده هو الفتى . . . الخ . . . وأشار الشيخ رضي اللّه عنه إلى هذه الرسالة في الجزء الرابع من الفتوحات المكية ص 459 وهو الباب الموفي ستين وخمسمائة ، في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ومن وقف عليها إن شاء اللّه تعالى حين يقول : من راعى جناب اللّه انتفع به جميع المؤمنين