الصنف الإنساني فليس له هذا التعميم ، لعدم كمال الصورة فيه ، فمنازلة الحقائق الإنسانية للطلب ، بالذلة والافتقار وخلو محلها عن الفكر ، وهذا هو الاستعداد العزيز المطلوب ، الذي لم يقدر عليه أكثر العقلاء ، حتى أنكره بعضهم ، أعني أنكر أن تكون له نتيجة ، وأقرّ بها بعضهم وسماها الفيض والروح ، لكن عجزوا عن التوصل إليها ، لغلبة الفكر وعدم استعمال العبادات المشروعة على ألسنة الأنبياء ، عليهم السلام ، وإن كانت لهم عبادات ومناجاة ورهبانية ابتدعوها ، غير أنها لم تقم على ساق التوحيد ، ولا نباء صدق ، فلهذا لم يشموا منه رائحة من الإلهيات ، ولا كانت لهم منازلات خارجة عن طور العقول ، فإن الهمم تعلقت منهم بما في العالم العلوي ، والعقل الأول ، والنفس الكلية ، والعقول ، من الأسرار واللطائف ، فوكلهم اللّه تعالى لما اعتقدوه ، وربطهم بما قصدوا إليه ، فحرموا السعادة الأبدية ، والكشف والمشاهدة وخالص التوحيد ، فلم يكن لهم تلك الهمة القوية ، وصار الخطاب لهم من خلف وراء حجاب الكون ، فلم يسمعوا منه ، وكيف يسمعون منه وهم محجوبون بما اعتقدوه ؟ !
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
فما دام المخاطب ينطلق عليه اسم البشر ولم يتجرد عن بشريته فإنّ الخطاب له على غير العين « 1 » ، ولما لم يكن في العالم فاعل على الحقيقة إلا اللّه ، الذي له الاقتدار التام الكامل ، كان هو المخاطب عباده المحجوبين وغير المحجوبين ، ويقع التفاضل بين الطائفتين على حسب ما تعطيه مقاماتهم ، ولهذا قال
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
إشارة إلى فضله على غيره بخطاب مخصوص على رفع الحجاب ، لم يسمعه من ذلك المقام غيره .
فإذا تبين لك أن المنازلات إنما تحصل بامتثال أمور الشرع على أتم الوجوه ، وتجريد التوحيد ، والدخول في الحضرات بأوصافك لا بأوصافه ، والتلقي منه بما يناسب الصورة المقدسة منك ، فينبغي لك إن كنت عاقلا ، أن تتجرد لهذا الطلب على هذا الحد .
واعلم أن صاحب الكتاب ، كاليهودي والنصراني ، إذا وفّى أمر كتابه الذي أنزل عليه ، قبل نسخه بشرعنا ، وتجرد كما وصفه أهل طريقنا ، أدرك من هذه المنازلات والواردات ما شاء اللّه ، بخلاف من عبد عقله واتبع رأيه ، وإن ركب أعظم المشقات في
هامش
( 1 ) تحقيق مسألة التجرد عن البشرية - راجع كتابنا « شرح رسالة روح القدس » عند بحث النفس - بالهامش - راجع كلام أبي أحمد ابن سيدون ، في كتابنا « شرح كلمات الصوفية » .