معان وراءها ، فإن الخيال ينزل المعاني العقلية في القوالب الحسية ، كالعلم في صورة اللبن ، والقرآن في صورة الحبل ، والدين في صورة القيد .
وينبغي للعالي الهمة أن لا يكون معلّمه وشاهده مؤنثا ، متعلقا بالأخذ من النفس الكلية ، كما ينبغي له أن لا يتعلق بالأخذ من فقير أصلا ، وكل ما لا كمال له إلا بغيره ، فهو فقير ، فهذا حال كل ما سوى اللّه تعالى ، فارفع الهمة في أن لا تأخذ علما إلا من اللّه تعالى على الكشف ، فإن عند المحققين أن لا فاعل إلا اللّه ، فإذن لا يأخذون إلا عن اللّه ، لكن عقدا لا كشفا ، وما فاز أهل اللّه إلا بالوصول إلى عين اليقين ، أنفة من بقاء مع علم اليقين .
واعلم أن أهل الأفكار إذا بلغوا فيها الغاية القصوى ، أداهم فكرهم إلى حال المقلد المصمم ، فإن الأمر أعظم من أن يقف فيه الفكر ، فما دام الفكر موجودا فمن المحال أن يطمئن ويسكن ، فللعقول حد تقف عنده ، من حيث قوتها في التصرف الفكري ، ولها صفة القبول لما يهبه اللّه تعالى « 1 » ، فإذن ينبغي للعاقل أن يتعرض لنفحات الجود ، ولا يبقى مأسورا في قيد نظره وكسبه ، فإنه على شبهة من ذلك ، ولقد أخبرني من أثق به من إخوانك - وممن له فيك نية حسنة جميلة - أنه رآك وقد بكيت يوما ، فسألك هو ومن حضر عن بكائك ، قلت : مسألة اعتقدتها منذ ثلاثين سنة ، تبين لي في الساعة بدليل لاح لي أن الأمر على خلاف ما كان عندي . فبكيت وقلت : ولعل الذي لاح أيضا يكون مثل الأول ، فهذا قولك ، ومن المحال على العارف مرتبة العقل والفكر أن يسكن أو يستريح ، ولا سيما في معرفة اللّه تعالى ، ومن المحال أن يعرف ماهيته بطريق النظر ، فما لك يا أخي تبقى في هذه الورطة ، ولا تدخل طريق الرياضات والمجاهدات والخلوات التي شرعها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فتنال ما نال من قال فيه سبحانه وتعالى
عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
ومثلك من يتعرض لهذه الخطة الشريفة ، والمرتبة العظيمة الرفيعة .
وليعلم وليي وفقه اللّه تعالى أن كل موجود عند سبب ، ذلك السبب محدث مثله ، فإن له وجهين : وجها ينظر به إلى سببه ، ووجها ينظر به إلى موجده وهو اللّه تعالى ، فالناس كلهم ناظرون إلى وجوه أسبابهم ، والحكماء والفلاسفة كلهم وغيرهم إلا المحققين من أهل
هامش
( 1 ) العقل بين النظر والقبول - فتوحات ح 1 / 261 .