رسالة إلى الإمام الرازي
بسم اللّه الرحمن الرحيم
أما بعد ، فإنا نحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه إياه ، وأنا أحبك ، ويقول اللّه تعالى « وتواصوا بالحق » وقد وقفت على بعض تواليفك وما أيدك اللّه به من القوة المتخيلة وما منحكه من الفكر الجيد .
ومتى ما تغذت النفس كسب يديها ، فإنها لا تجد حلاوة الجود والوهب ، وتكون ممن أكل من تحته ، والرجل من أكل من فوقه ، كما قال تعالى
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ .
وليعلم وليي - وفقه اللّه تعالى - أن الوراثة الكاملة هي التي تكون من كل الوجوه لا من بعضها ، والعلماء ورثة الأنبياء ، فينبغي للعامل أن يجتهد لأن يكون وارثا من جميع الوجوه ، ولا يكون ناقص الهمة .
وقد علم وليي - وفقه اللّه تعالى - أن حسن اللطيفة الإنسانية إنما يكون بما تحمله من المعارف الإلهية ، وقبحها بضد ذلك ، وينبغي للعالي الهمة أن لا يقطع عمره في المحدثات وتفاصيلها ، فيفوته حظه من ربه ، وينبغي له أيضا أن يسرح نفسه من سلطان فكره ، فإن الفكر يعلم مأخذه ، والحق المطلوب ليس ذلك ، وأن العلم باللّه خلاف العلم بوجود اللّه .
فالعقول تعرف اللّه من حيث كونه موجودا ، ومن حيث السلب لا من حيث الإثبات ، وهذا خلاف الجماعة من العقلاء والمتكلمين إلا سيدنا أبا حامد قدس اللّه روحه ، فإنه معنا في هذه القضية ، ويجل الله سبحانه وتعالى أن يعرفه العقل بفكره ونظره ، فينبغي للعاقل أن يخلي قلبه عن الفكر إذا أراد معرفة اللّه تعالى من حيث المشاهدة ، وينبغي للعالي الهمة أن لا يكون تلقيه عند هذا من عالم الخيال ، وهي الأنوار المتجسدة الدالة على