لم يصح لهم عند هذا الكشف والمعاينة أن يجهلوا خبرا من هذه الأخبار التي توهم ، ولا أن يبقوا ذلك الخبر منسحبا على ما فيه من الاحتمالات النزيهة من غير تعيين ، بل يعرفون الكلمة والمعنى النزيه الذي سيقت له فيقصرونها على ما أريدت به له ، وإن جاء في خبر آخر ذلك اللفظ عينه فله وجه آخر من تلك الوجوه المقدسة معين عند هذا المشاهد ، هذا حال طائفة منا ، وطائفة أخرى منا أيضا ليس لهم هذا التجلي ، ولكن لهم الإلقاء والإلهام واللقاء والكتابة - وهم معصومون فيما يلقى إليهم بعلامة عندهم لا يعرفها سواهم - فيخبرون بما خوطبوا به ، وما ألهموا به ، وما ألقى إليهم أو كتب .
قال الشيخ أبو العباس العريبي للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي في أول دخوله إلى هذه الطريقة ، قال له : « عزمت على طريق اللّه تعالى ؟ » فقال : « أما العبد فعازم ، والمثبت اللّه » فأوصاه الشيخ أبو العباس وقال : « هذه همة شريفة عالية ، يا ولدي سد الباب ، واقطع الأسباب ، وجالس الوهاب ، يكلمك من غير حجاب » يقول الشيخ ابن العربي : « فعملت عليها حتى فتح لي ورأيت بركتها ، ودخلت عليه بعد ذلك فرأى خلعتها عليّ » فقال « هكذا هكذا وإلا فلا لا » ثم قال لي « امح ما كتبت وانس ما حفظت ، واجهل ما علمت ، وكن هكذا معه على كل حال ، لا تتحدث معه بما قد علمته ، فإن في ذلك تصييع الوقت ، واطلب المزيد كما أمرك في قول نبيه صلى اللّه عليه وسلم يأمره وأمته ، وقل رب زدني علما » . ( ف ح 1 / 31 ، 89 - ح 4 / 529 )
واعلم أن المنازلات « 1 » التي بين حقائق الأسماء الإلهية ، وبين الحقائق الإنسانية في الإنسان الكامل - امرأة كان أو رجلا - تتعدد بتعدد التوجهات والأسماء ، وما عدا هذا
هامش
( 1 ) المنازلة فعل فاعلين ، وهي تنزل على اثنين ، كل واحد يطلب الآخر لينزل عليه أو به ، كيف شئت فقل ، فيجتمعان في الطريق في موضع معين ، وهذا النزول على الحقيقة من العبد صعود ، وإنما سميناه نزولا لكونه يطلب بذلك الصعود النزول على الحق ، فالمنازلة هي أن يريد الحق النزول إليك ، ويجعل في قلبك طلب النزول عليه ، فتتحرك الهمة ، حركة روحانية لطيفة ، فيقع الاجتماع بين نزولين ، منك عليه قبل أن تبلغ المنزل ، ونزول منه إليك ، أي توجه اسم إلهي قبل أن يبلغ المنزل ، فوقوع هذا الاجتماع في غير المنزلين يسمى منازلة .
( ف ح 3 / 523 - ح 2 / 577 ) راجع كتابنا « شرح كلمات الصوفية » - الطبعة الثانية .