تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
ولا العبد ربا ، فالرب رب والعبد عبد ، ولا يصح وجود شيء إلا وهو يستند إلى حقيقة إلهية . ( ف ح 1 / 33 - ح 2 / 277 - ح 3 / 224 )

الطريق إلى المعرفة

إن المتأهب إذا لزم الخلوة والذكر ، وفرغ المحل من الفكر ، وقعد فقيرا - لا شيء له - عند باب ربه ، حينئذ يمنحه اللّه تعالى ويعطيه من العلم به ، والأسرار الإلهية والمعارف الربانية ، التي أثنى اللّه سبحانه بها على عبده خضر فقال
عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
وقال تعالى
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
وقال
إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً
وقال
وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ
قيل للجنيد بم نلت ما نلت ؟ فقال : بجلوسي تحت تلك الدرجة ثلاثين سنة ، وقال أبو يزيد : أخذتم علمكم ميتا عن ميت ، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت ، فيحصل لصاحب الهمة في الخلوة مع اللّه وبه - جلت هبته ، وعظمت منته - من العلوم ما يغيب عندها كل متكلم على البسيطة ، بل كل صاحب نظر وبرهان ليست له هذه الحالة ، فإنها وراء النظر العقلي . فالطائفة العالية من أصحابنا ، فرغوا قلوبهم من الفكر والنظر وأخلوها ، فإنه قد حصل من نفوسها تعظيم الحق جل جلاله ، بحيث لا تقدر أن تصل إلى معرفة ما جاء من عنده بدقيق فكر ونظر ، فقالوا : لنا أن نسلك طريقة أخرى في نهج الكلمات ( التي نسبها الحق إلى نفسه مما توهم التشبيه ) وذلك بأن نفرغ قلوبنا من النظر الفكري ، ونجلس مع الحق تعالى بالذكر ، على بساط الأدب والمراقبة والحضور والتهيؤ لقبول ما يرد علينا منه تعالى ، حتى يكون الحق يتولى تعليمنا على الكشف والتحقيق لما سمعته يقول
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
ويقول
إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
فعند ما توجهت قلوبهم وهممهم إلى اللّه تعالى ولجأت إليه ، وألقت عنها ما استمسك به الغير من دعوى البحث والنظر ونتائج العقول ، كانت عقولهم سليمة وقلوبهم مطهرة فارغة ، فعندما كان منهم هذا الاستعداد ، تجلى الحق لهم معلما ، وأطلعتهم تلك المشاهدة على معاني هذه الأخبار والكلمات دفعة واحدة ، وهذا ضرب من ضروب المكاشفة ، فإنهم إذا عاينوا بعيون القلوب من نزهته العلماء بالإدراك الفكري ،