رسل ربنا بالحق ، فكان مما جاء به الرسول الكريم ، من العلي الحكيم ، في الكتاب المنزل الذي هو القرآن العظيم
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً ، وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ
فالضرورة من اللباس الظاهر ما يستر السوءة ، وهو لباس التقوى من الوقاية ، والريش ما يزيد على ذلك مما يقع به الزينة ، التي أخرج لعباده من خزائن غيوبه ، وجعلها خالصة للمؤمنين في الحياة الدنيا ويوم القيامة ، فلا يحاسبون عليها ، وإذا لبسوها وتزينوا بها من غير هذه النية ولا هذا الحضور ولبسوها فخرا وخيلاء ، فتلك زينة الحياة الدنيا ، فالثوب واحد ويختلف الحكم عليه باختلاف المقاصد ، ثم أنزل في قلوب العباد الأخيار لباس التقوى ، وهو خير لباس ، وهو على صورة لباس الظاهر سواء ، فمنه لباس ضروري يواري سوءات الباطن ، وهو تقوى المحارم مطلقا ، ومنه ما هو مثل الريش في الظاهر ، وهو لباس مكارم الأخلاق ، مثل نوافل العبادات ، فقد تحقق لباس الباطن أنه على صورة لباس الظاهر شرعا ، وكما يختلف الظاهر بالقاصد والنيات ، كذلك يختلف لباس الباطن بالنيات والمقاصد .
ولما تقرر هذا في نفوس أهل اللّه ، أرادوا أن يجمعوا بين اللبستين ، ويتزينوا بالزينتين ، ليجمعوا بين الحسنيين ، فيثابوا من الطرفين ، فسبب لباس هذه الخرقة المعلومة عندهم ، تنبيه على ما يريدونه من لباس بواطنهم ، وجعلوا ذلك صحبة وأدبا ، وأصل هذا اللباس عندي على ما ألقي في سري ، أن الحق لبس قلب عبده ، فإنه قال : « ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي » فإن الثوب وسع لابسه ، فظهر الجمع بين اللبستين ، من زمان الشبلي وابن خفيف إلى هلم جرّا ، فجرينا على مذهبهم في ذلك « 1 » فلبسناها من أيدي مشايخ جمة ، سادات ، بعد أن صحبناهم وتأدبنا بآدابهم ، ليصح اللباس ظاهرا وباطنا ، ومذهبنا في لباس مريد الزينة ، هو على غير ما هو عليه اليوم الأمر ، وذلك أن الشيخ ينظر في المريد الذي يريد أن يلبسه ، فأي حال يكون للمريد فيه نقص ، فإن الشيخ يتلبس بذلك الحال حتى يتحقق وتغمره ، فتسري قوة ذلك الحال في الثوب الذي
هامش
( 1 ) هذا يخالف ما جاء في ص 163 من أن الشيخ قال بالخرقة المعهودة لما رأى أن الخضر قد اعتبرها ، ولم يكن يقول بها قبل ذلك .