لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
فلا أبرح هذا المقام ولا أخرج عن عهدي فيهما معا ، أعني من الخطابين المتناقضين ، وجمعت بينهما والحمد للّه ، ونظرت خطاب العصمة من أم الكتاب الذي عنده ، ونظرت الخطاب الابتلائي من لوح المحو والإثبات ، وكيف وقد قال تعالى :
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ
ولما قال لي هذا ، علمت أن كل خطاب يخالف ما قاله لي على لسان المعصوم ، إنما هو خطاب ابتلاء ، ولولا ما أتى في مقام السماع من الحق بقلب الشخص الذي خوطبت على لسانه بهذا المنكر ، أنه شيطان في هذه المقالة ، لكن حقيقة هذا المقام تمنع من هذا ، فقد صح لي والحمد للّه الخطابان ، السماع من الحق ، والوفاء بالعهد ، إنما يسمع الصوفي في هذا المقام ، ويمتثل ما يسمع ، إنما ذلك في الأمور المباحات كلها ، فيكون في ذلك خارجا عن هوى نفسه بامتثاله بذلك عن أمر غيره .
واعلم أن الحزن حلية الأدباء ، فرضي اللّه عن المحزون ، فليتني أرى من رأى محزونا ، يا أيها المحزون طوبى لك ، ثم طوبى لك ، واللّه أنت السعيد ، أنت واللّه صاحب التحقيق ، وأنت واللّه خليل الصدّيق ، ليت اللّه يمن عليّ به من خزائن جوده ، للحزن خزائن لا يعطى منها شيئا إلا لصديق مجتبى ، الحزين عارف بقدره ، الحزين هو العارف ، الحزين هو الوارث ، الحزين سر اللّه في أرضه ، الحزن إذا فقد من القلب خرب ، يا مخدوع تظن أنك في الحاصل وأنت في الفائت ، يا مسكين - مثلي - ألست تعلم أن الذي فاتك أكثر مما حصل لك ؟ فبأي شيء تفرح ؟ صاحب الأمن والبشرى في هذه الدار ، يحزن على التقصير في شكر هذه النعمة ، مع أنه يرى توالي الحق في نفسه شكره ، وهو عري عن ذلك ، ناظر بعين التوحيد والأدب ، أنت أنت وهو هو ، وإذا كان صاحب الأمن بهذه الحالة ، فما ظنك بالخائف الذي لا يعرف على ما يقدم ؟ طوبى لمن كان شعاره الخوف ، طوبى لمن كان دثاره الحزن ، وطعامه الحزن ، وشرابه الحزن ، يلتذ الصديقون والنبيون به ، الحزن جماع الخير كله ، إذا أحب اللّه عبدا ألقى له نائحة في قلبه ، من لم يذق طعم الحزن لم يذق طعم العبادة على أنواعها ، فلا تغرنك يا بني ما تسمع من قول صديق متمكن « إن الحزن مقام نازل » فليس يريد رضى اللّه عنه صاحب التحقيق ، ما يتخيله بعض المتكلفين على الطريقة ، فإن الحزن تابع للمحزون ، مثل العلم تابع للمعلوم ، فيتضع باتضاعه ويرتفع بارتفاعه .