خدمه سنين ، وإنما ذلك لعلل يعرفها الشيخ من جانب الطالب ، أو من جهة جانب المقام الذي يريد الشيخ أن يرقيه إليه
وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
، والطالب يبطىء ويحب الإسراع إليه ، هيهات ، وأين هو من قول الجنيد رضي اللّه عنه حين قيل له : « بم نلت ما نلت ؟ » فقال : « بجلوسي تحت تلك الدرجة ثلاثين سنة » وأشار إلى درجة في داره ، وكذلك أبو يزيد البسطامي رضي اللّه عنه كان حداد نفسه اثنتي عشرة سنة ، ثم كان قصّارها خمسين سنة ، ثم عمل في قطع زنّاره الظاهر ثماني سنين ، ثم عمل في قطع زناره الباطن كذا سنة ، ثم بعد هذا كله بقيت له عقبات جازها ، فما لك أيها الطالب لا تنظر أين حالك من أحوال السادات ؟ ! ! فأين اجتهادك من اجتهادهم ؟ فتنظر نفسك بالتقصير ، وأنت لست أهلا للفتح ، وترجع على نفسك بالمذمة وتقول لها : « لو أردت مقامهم لنهجت مناهجهم ، ولنظرت شيخك بعين التعظيم وغاية الحمد » وتقول لها : « لو علم فيك خيرا لأسمعك ، ولو أسمعك وأنت على هذه الحالة السيئة لتوليت ، وأنت معرضة ، ولكن ينبغي لك أن تفرحي بإقباله عليك وجريه معك ، وهذه بشرى من اللّه إليك ، فإن الشيخ لو تخيل فيك أنك عمل غير صالح ما قربك ولا أدناك ، ولكنه قد رجا فيك وتوهم فيك المصلحة ، فجدّي واجتهدي وأعينيه عليك ، عسى اللّه أن يأتي بالفتح فتكوني من المفلحين » وازجرها مثل هذا الزجر ، ولا تقطع إياسا ،
إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ
فإذا رأيت أن اللّه تعالى قد ألهمك لهذا الزجر والتعنيف لنفسك ، فاعلم أنك مراد ، وأن اللّه تعالى ما ألهمك لهذا إلا وقد قدّر اللّه تعالى أن يأخذ بيدك ، فإذا رأيت أن اللّه تعالى لم يوفقك لهذا ، ولا جرت أفعالك عليه فلا تلومن إلا نفسك ، ولا تقع في شيخك فيجتمع عليك خزي الدنيا والآخرة ، فتحفظ يا بني مما نبهتك عليه ، واشتغل بما حرضتك عليه ، وما أبقيت لك من النصيحة ، فانتظر أيها الطالب فتح اللّه ولو عمرك كله ولا تيأس من روح اللّه .
واعلم يا بني أسعدك اللّه ، أن الحلال عزيز المنال ، على جهد الورع قليل جدا ، ولا يحتمل الإسراف والتبذير ، بل إذا تورعت عما لزمه أهل الورع في الورع ، فبالحري أن يسلم لك قوتك على التقصر ، كيف أن تصل به إلى نيل شهوة من شهوات النفس ؟ كالمحاسبي ، الحارث بن أسد - من أئمة القوم - الذي مات أبوه وترك كذا وكذا ألف درهم ، فما أخذ منها