تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
خاطره ، لكون ذلك الشيء من هواه ، وهو غير متحقق في الطريق ، فيكون أبدا أسيرا لهواه وإن سعى في خير ، ألا ترى ذا النون كيف قال : « كل فعل لا يكون عن أثر فهو هوى نفس » نعم ولو حملت الجبال الراسيات على أكتافك ، وإن ركبت من الشدائد ما لم يركبه أحد ، فلست هناك ، لأنك ما تصرفت في هذا كله إلا بإرادتك ، وعن هوى نفسك ، وليس ذلك على النفس بشديد ، وإنما الذي يعظم عليها ، ويعسر جدا انقيادها لغيرها ، لكونها جبلت على الرياسة وطلب التقدم ، فإذا تقدّم عليها وصارت مرؤوسة تحت قهر غيرها وسلطانه ، جارية في أمورها على إرادته ، واقفة عند حدودها من أمره ونهيه ، صعب عليها ذلك واشتد ، وإن كان يسيرا ، وهذا الذي نحن بصدده هو للنفس موت من إرادتها . ومن شروط هذا المنزل دون غيره ، أن لا يفعله ولا يدخل فيه من ليس له شيخ ، فهو طبيبه لما فيه من العلل القائمة بسلاكه ، واعلم يا بني أن الدخول في هذا المقام وفي أي مقام ، إنما ذلك عقد يربطه الإنسان مع اللّه عز وجل ويلزمه نفسه ، فلزم الوفاء به ولا تنقضه ، فتكون من الخاسرين الذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه ، فقد يقول القائل : إن المريد يصدق نيته على امتثال ما يخاطبه به الحق ، ما لم يؤمر في ذلك الخطاب بارتكاب محرم ، فيقال له : « ليس كما تقول إنما يعقد نيته على السماع من اللّه مطلقا من غير تقييد » فإن قال : « كيف يصح هذا ؟ » فنقول : « إن المريد إذا أراد أن يبقى على عهده في هذا المقام ، ولا يرتكب محرما إن ابتلاه اللّه به » فيقول للقائل « إن لم تفعل فقد نكثت عهدك مع اللّه » يقول : « هيهات بل أنا متحقق في سماعي من الحق من خارج لا من نفسي ، ذلك أن الحق سبحانه وتعالى قد خاطبني وكلمني على لسان نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أن لا أفعل ما ذكرت ( أي الحرام ) وقلت عند سماعي لهذا الخطاب النبوي : سمعت وأطعت ، وعاهدت اللّه على هذا ، فأنا ما زلت في سماعي من الحق متحققا في مقامي ، فإنه القائل
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
ولكني لما تحققت بهذا المقام في هذا السماع ، أو ادعيته ، أراد الحق أن يبتليني ، ليقف من ذلك على نفسي بما فيها ، فوجدني والحمد للّه قائما بذلك العهد ، الذي كنت قد عاهدته عليه عندما سمعته منه ، وهذا الخطاب الذي بفعل ما حرم علي فعله ، إنما سمعته من الحق ، ولكن سماع ابتلاء منه إليّ ، هل أقف عند حده أم لا ، الذي أسمعنيه على لسان المعصوم ، قال تعالى :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ
وقال تعالى :
الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 149 | ابن عربي / محمود محمود الغراب