تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
شيئا ، وقال : « إن أبي كان يقول بالقدر » ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يتوارث أهل ملتين » ؛ وكبعضهم الذي ترك له أبوه مالا كذا كذا ألف دينار ، فأبى أن يأخذها ، وقال : « إن أبي كان تاجرا وكان لا يحسن العلم ، فربما دخل عليه ربا وهو لا يشعر » وكان هذا المذكور ابن القاسم تلميذ مالك ابن أنس رضي اللّه عنهما ، وهو الذي اكترى دابة يسافر عليها ، فجاءه إنسان برسالة وقال : « تحمل هذه معك لفلان » فقال رضي اللّه عنه : « ما اشترطت على صاحب الدابة حمل هذا » . وكأبي يزيد رحمه اللّه حين رد الثمرة وهو على كذا كذا فرسخا ، التي كانت وقعت من ثمر البقال على ثمره ، وكأبي مدين رضي اللّه عنه في زماننا هذا ، الذي ما أكل هذه البقلة التي يقال لها القطف ورعا ، لأنها تسمى بقلة الروم ، وهذا من أكمل ما سمعته في الورع ، إلى أمثال هذا مما سلك عليه القوم رضي اللّه عنهم ، فاللّه اللّه يا بني حافظ على نفسك أن لا تصاحبها في شهواتها لهذه المطاعم العالية الأثمان ، فإنك إن صحبتها عليها ، وتقوى في خاطرك أنك لو نلتها لعدوتها ، وأن تأخذها على وجه الاعتبار ، أعمت بصيرتك ودلتك بغرور ، وأدخلت عليك ضربا من التأويلات في مكسبك ، لتكثر دراهمك بما تلحق به تلك الشهوات ، يعني تؤديك إلى التورط في الشبهات ، وهي تريد الحرام ، فإن الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، فسدّ عليها هذا الباب ، ولا تطعمها إلا ما تقوى به على أداء ما كلفته ، وتكليفه على الشرط الذي ذكرت لك من التقليل ، وهكذا في اللباس ، وإياك والإسراف في النفقة وإن كانت حلالا صافيا ، فإنه مذموم وصاحبه مبذر ملوم ، قال تعالى :
إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ
وقال تعالى :
يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
فهذا قد عم اللباس والطعام والشراب . واعلم أن السماع من الحق من مقامات السالكين ، وهو منزل عظيم المنفعة ، وهو من منازل القلب ، وله تعلق بحضرة السمع ، وهو مزلة قدم لمن لا تحصيل له ولا شيخ يرشده ، وكثير من أهل زماننا زلت به قدم الغرور ، في مهواة من التلف عند دخولهم في هذا المقام ، وتبيينه : أن في هذا الطريق الشريف مقاما يخرج فيه المريد على أن يسمع من الحق ، ولا يرى أن أحدا في الوجود يخاطبه غير اللّه تعالى ، فهو ممتثل لكل ما يؤمر به ، ولتخليصك من مكر هذا المنزل ، فإن الإنسان يريد أن لا يسمع شيئا من نفسه أصلا ، ولا مما يقوم في