مشاهده معه « تقرب إلى بما ليس لي ، الذلة والافتقار » « 1 » وهذه إشارة إلى إزالة الرياسة ، فاسع يا بني في طلب شيخ يرشدك ويعظم خواطرك ، حتى يكمل ذاتك بالوجود الإلهي ، وحينئذ تدبر نفسك بالوجود الكشفي الاعتصامي ، إن أردت أن تكون من المفلحين ، فإن هذا لا يصح لك إلا بعد تحصيل العلم المشروع ، بالمكاسب والحلال والحرام ، لا بد لك منه ، هذا إذا كنت موكلا بنفسك ، فإذا كنت بين يدي شيخ محفوظ في عموم أحواله ، ورع ، قد شهد بفضله ، وقبل به ، وحاله مطابق ما يشهد فيه ، وتجد في نفسك الاحترام له ، والتعظيم لحقه ، الذي هو أصل منعتك ونجاتك على يديه ، فإن حرمت احترامه فاطلب غيره ، فإنك لا تنتفع به أصلا ما لم تصحبه بالحرمة ، فإن كان أفضل الناس ، وأعلم الناس وتسيء به الظن ، فإنك لا تنتفع به أبدا ، فإذا وجدت من تحصل في نفسك حرمته فاخدمه ، وكن ميتا بين يديه ، يصرفك كيف يشاء ، لا تدبير لك في نفسك معه ، تعش سعيدا ؛ مبادرا لامتثال ما يأمرك به وينهاك عنه ، فإن أمرك بالحرفة فاحترف - فهو أعرف بمصالحك منك - عن أمره لا عن هواك ، وإن أمرك بالقعود ، فاقعد عن أمره لا عن هواك ، فهو أعرف بمصالحك منك ، وأرغب الناس إلى اللّه في مصالحك على يديه منك ، فإنك تكون من أنواره التي تسعى بين يديه ، ومن حيث الآخرة الإيمانية ، بالنصح المندوب إليه شرعا ، الذي هو الدين ، وكذلك أيضا من حيث أنه يجدك في ميزانه ترجح ما خف منه ، ومن حيث أنه يكاثر بك تلامذة الشيوخ ويكثر بك أتباعه ، فإن العلماء ورثة الأنبياء ، قد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « إني مكاثر بكم الأمم » فإذا رغب هذا الشيخ في إصلاحك وإصلاح غيرك حتى يود أن الناس كلهم صلحوا على يده ، فإنما يرغب في ذلك لتكثير أتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لما سمعه يقول : « إني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة » وهذا مقام رفيع لفنائه عن حظه في إرشاده ، وإنما غرضه إقامة جاه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وتعظيمه ، وإذا تعلقت نية الشيخ بهذا يجازيه اللّه تعالى على ذلك من حيث المقام ، فكيف يتّهم شيخ في قلة نصح لطالب ، مع هذه الوجوه التي ذكرناها ؟ وما ذكر من المنافع له على حسب قصده ونيته ، والسبب الذي يتهم من أجله الشيخ ، إما في قلة نصحه ، وإما في تقصير مقامه ، أن يشاهد الفتح لتلميذه قد تباعد وقد
هامش
( 1 ) راجع كتابنا شرح كلمات الصوفية ص 158 - ف ح 1 / 690 - ح 2 / 16 ، 35 ، 214 ، 263 - ح 3 / 229 ، 373 - ح 4 / 17 ، 41 ، 529 .