كتاب مواقع النجوم « 1 »
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الوصية للمريد :
اعلم أن اللّه تبارك وتعالى إذا أيدك بالتوفيق للعلم والعمل على الإخلاص ، فتح عليك بابا إلى ملكوته ، يمنعك مشاهدة ما تجلى لك وراء ذلك الباب ، من طوارق الغفلات والرجوع إلى عالم الشهوات ، واشتغلت بموارد الحق عليك من لطائف وأسرار وكشف حقائق ، وذلك هو علم التدلي وعلم التلقي ، فأسرع في تحصيله بمداومة الذكر والخلوة ، وطيب الأطعمة وقلة الأكل ، والورع في النطق وتصرف القلب في فضول الخواطر ، ولتستجب نفسك تحت أمر آمر يأمرك وينهاك ، وتلمذ له ، واتخذه شيخا مرشدا ، فإنه إذا لم تجر أفعالك على مراد غيرك لم يصح لك انتقال عن هواك ، ولو جاهدت نفسك عمرك بما ترتبه عليها ، وإن صعب ، لم تزل عن هواها ، فإنها المرتبة على نفسها ، وإن فتح لها في لطائف المشاهدة ، وضروب المكاشفة ، لم تزل بذلك عن رعونتها ورياستها ، إلى ما لا يمكن خروجها منها ، إلا بالانقياد إلى طاعة نفس أخرى مثلها ، وتصرفها تحت أمره ونهيه ، وذلك لكثافة حجابها ، وعظم إشراكها ، حتى ترتقي إلى الأمر على الإطلاق ، ويكون ذلك سلما لها إليه ، ولذلك قال المحقق « كل عمل لا يكون عن أثر فهو هوى للنفس » « 2 » « وآخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرياسة » « 3 » وقال الحق لأبي يزيد البسطامي في بعض
هامش
( 1 ) كتاب مواقع النجوم ، قد ألف بالمرية ببلاد الأندلس عام 595 ه ، وعدّل عام 597 بمدينة الجابية بالأندلس ، وهو من الكتب الثابت نسبتها إلى الشيخ ، فقد ذكر اسم هذا الكتاب في الفتوحات المكية خمس عشرة مرة ، وفي كتاب منزل القطب ومقامه وحاله ، وفي كتاب حلية الأبدال ، وأقدم نسخة منه تحمل تاريخ 632 ه أي قبل وفاة الشيخ رحمه اللّه بثماني سنين .
( 2 ) راجع كتابنا شرح كلمات الصوفية ص 145 .
( 3 ) راجع كتابنا شرح كلمات الصوفية ص 336 - ف ح 4 / 455 .